في ظلّ معركة طوفان الأقصى، وحجم الإبادة التي ارتكبها محور الشر بحقّ شعب غزة وجنوب لبنان، كان لا بدّ من البحث والتساؤل حول لجوء الاحتلال إلى هذه الأوراق، وسرعة وتيرة استخدامها، رغم ما كلّفه ذلك من خسارة الصورة التاريخية للمظلومية، والسردية التي بناها على مدى سنوات طويلة لدى الشعوب، وخاصة الغربية.

وفي سلسلة الجرائم التي لم يكتفِ بها الاحتلال، بل نوّع أشكالها، برز نمط لافت، ولكنّه لم يكن جديدًا، فالسؤال هنا: لماذا كان الاحتلال، إلى جانب قتله الناس، يحتجز جثامينهم، رغم ضغط المعركة وتعقيداتها؟

لقد خصّص الاحتلال أماكن وقوات مهمتها الخطف واحتجاز الجثث، قبل أن يقوم بتسليم عدد منها على فترات متقطعة إلى وزارة الصحة في غزة.

الصور التي وُثّقَت أو نُشرَت، إلى جانب شهادات الأطباء، كانت كفيلة بالحديث؛ إذ تبيّن أن الجثث التي سلّمها الاحتلال تعرّضت لسرقة أعضاء، لا سيما أنها لم تكن متحللة، ما يدلّ على أن الاحتلال كان يحتفظ بها لفترات طويلة.

وهنا يبرز السؤال المركزي: لماذا يحتفظ الاحتلال بهذه الجثث، رغم أنه يهدف – كما هو معروف – إلى إبادة هذا الشعب والتخلّص منه؟

كانت الجثامين تصل إلى المستشفيات داخل أكياس، إما على شكل أشلاء، أو أنصاف أجساد، أو أجساد كاملة. إلا أن اللافت أن هذه الجثث، نتيجة طول فترة احتجازها في ظروف سيئة، وبسبب العبث المتعمّد بها من قبل الاحتلال، كانت تصدر عنها روائح كريهة جدًا، وبعضها كان مغطّى بالديدان، ما صعّب على الأطباء إجراء فحوص دقيقة لها.

ومع حصر هذه المعطيات، بدأت تتشكّل مؤشرات واضحة على قيام الاحتلال بسرقة أعضاء من هذه الجثث، وهو ما يفسّر احتجازها، ثم تسليمها بهذا الشكل، ليفتح ذلك الباب أمام واحدة من أخطر القضايا المرتبطة بتجارة الأعضاء، ودورها الممتد لعقود في التأثير والتحكّم بالمشهد الإقليمي، مع كثير من التفاصيل التي سأقوم بتوضيحها بالاستناد إلى بعض المصادر الموثوقة، والشهادات، والمعلومات بالغة السرية.

إن هذه المؤشرات تقودنا إلى جانب خفيّ وغير ملموس من الأسلحة التي يستخدمها محور الأعداء في حروبه، سواء في غزة أو خارجها، كالعراق وسوريا، وتفتح العيون على “الصندوق الأسود” الذي تديره الدولة العميقة المهيمنة على العالم – كما تُسمّى – عبر أدواتها في منطقتنا.

في هذا التقرير، أريد استعراض مجموعة من المعلومات والتقارير لتوضيح ما ورد في هذه المقدمة بشكل أكبر.

ففي عام 2013، تأسست منظمة الخوذ البيضاء على يد ضابط المخابرات البريطانية المنتحر جيمس لو ميسورييه. وقد كانت هذه المنظمة تقوم بنقل الجرحى من تنظيمات داعش والنصرة والجيش الحر في الجنوب السوري إلى مشافي الاحتلال الإسرائيلي، في حين كان جرحى شمال سوريا يُنقلون للعلاج في المشافي التركية داخل الأراضي التركية.

وهنا لا بدّ من وقفة عند ملف تجارة الأعضاء؛ إذ تشير المعطيات إلى أن منظمة الخوذ البيضاء كانت تنقل الجرحى إلى تركيا، حيث يستلمهم أطباء مختصون من جنسيات متعددة، عربية وأوروبية وأمريكية، ليقوموا بتصفيتهم وسرقة أعضائهم، قبل نقلها عبر شبكات متخصصة بنقل الأعضاء البشرية إلى إسرائيل. وكانت هذه الشبكات تتخفّى خلف واجهات لمؤسسات سياحية أو زراعية وغيرها.

ومن بين هذه الشركات، شركة “رويال إنوفيشن”، التي كان يترأسها الإسرائيلي بوريس وولفمان، على أنّ مقرّها في تركيا، وتعمل في مجال السياحة الصحية وتصدير الحديد والصلب.

وفي السياق ذاته، ومن أجل ربط الأحداث وكشف الترابط العميق بين هذه الشبكات ومن يقف خلفها من حكومات ومسؤولين، نعود للحديث عن غزة، التي فتحت بابًا لا يُقفَل في هذه القضية تحديدًا.

فإلى جانب شهادات الأطباء حول انتزاع الاحتلال أعضاء من جثامين الشهداء المختطفة، أشار أحد الأسرى المحرّرين في مقابلة إعلامية إلى وجود تجارب كان الاحتلال يجريها على الأسرى تحت عنوان “تجارب طبية”، ولا سيما على المرضى منهم، في مستشفى الرملة (سجن الرملة).

كما وجّه الإعلام الحكومي في غزة، خلال أحد المؤتمرات الصحفية، اتهامًا مباشرًا للاحتلال الإسرائيلي بسرقة أعضاء الأسرى والشهداء المحتجزة جثامينهم.

وفي السياق نفسه، تحدّث الدكتور منير البرش، أثناء استلام الجثامين، أن أعضاء هذه الجثامين قد سُرقَت، مع تركيزه بشكل خاص على قرنيات العين، باعتبارها من أكثر الأعضاء التي لوحظ سرقتها.

إضافة إلى ذلك، اعترف يهودا هيس، المدير السابق لمعهد الطب الشرعي في الكيان الإسرائيلي، في أحد اللقاءات، عام 2009، بأن المعهد كان يستلم قرنيات وجلودًا وصمامات قلب وعظامًا لجثث أسرى استشهدوا في الأسر أو شهداء كانت جثامينهم محتجزة، وذلك دون موافقة عائلاتهم.

وقد ترافقت هذه الاعترافات مع شهادات متكررة من أهالي الشهداء، أكدوا فيها أن الجثامين التي تسلّموها، بعد أن كانت محتجزة لدى الكيان؛ كانت مشوّهة، وقد جرى العبث بها بشكل واضح.

وما ينبغي التوقف عنده هنا هو: لماذا يهتم الاحتلال باحتجاز هذه الجثث، رغم أنها لا تشكّل أي ورقة ضغط؟
إذ يبدو أن الاحتلال يعتمد هذا السلوك كأداة قهر إضافية، ما يفتح التساؤل أيضًا حول طبيعة العلاقة التي تجمعه مع الجانب التركي في هذا الملف تحديدًا، خاصة أن جميع مكوّنات هذا العمل تحمل مصالح سياسية مشتركة ضد كل من يوجّه بندقيته نحو الاحتلال.

وفي النهاية، فإن كلّ ما ذُكر هو اعترافات ووقائع وتقارير رسمية، مصادرها دقيقة جدًا، ما يضعنا أمام قضية كبرى، وجريمة من أخطر أنواع الجرائم الكبرى.

ليث عيد_فلسطين