فنزويلا، بجبينها العالي وصمودها البَين في وجه إمبراطورية القرصنة والعدوان ترسم ملامح المواجهة القادمة.
من جبال كاراكاس التي أنجبت بوليفار المحرر الذي أشعل في شعوب أميركا اللاتينية مشروع الحرية والتحرر من الاستعمار الأسباني، ترفع فنزويلا اليوم راية سيادتها واستقلالها وكرامتها في وجه القوة الامبريالية الأكثر توحشاً على مر التاريخ، الولايات المتحدة الأمريكية، إمبراطورية الاستعمار والنهب والشر والبلطجة. مقاييسها “للعدالة” بميزان ربحية السوق، تتشدق بمنح “الحرية” بشروط الولاء والتبعية لها.
ليست فنزويلا دولة عادية في الجغرافيا السياسية، بل عنواناً لمعركة مستمرة بين مشروعين، مشروع حرية الشعوب وتحررها مقابل مشروع النهب والاستباحة الاستعماري الإمبريالي.
الولايات المتحدة لم تتحمّل يوماً أن ينهض شعبٌ فيما تطلق عليه “حديقتها الخلفية”، ليقول لها لا للهيمنة ولا لنهب الثروات ولا لتطبيع علاقات دون ندية.
فنزويلا كما كوبا قالت “لا” غير مواربة منذ جاء تشافيز بأصوات الشعب الفنزويلي ودعمه، فأُعلن اليانكي عليها الحصار، وأعلنت عليها الحرب، باردة وساخنة، وسعت لتجويع شعبها وخُنق اقتصادها وشيطنة صورتها وقادتها ومشروعها البوليفاري في وسائل الاعلام المهيمن على الرأي العام.
لم تسقط فنزويلا برغم كل حملات التخويف والتضليل، ولم يَهُن شعبها برغم التضييق والحصار الاقتصادي المفتعل، فالدم الذي يسري في عروقه أصيل يتغذى بتاريخ طويل من المقاومة لما يزيد على خمسة قرون من الزمان، بدأت بقيادة الزعيم الهندي غوايكايبورو Guaicaipuro ولم، ولن ينتهي في عهد الرئيس مادورو.
شعب فنزويلا كما شعب فلسطين والجزائر وفيتنام وكوبا وشعوب الجنوب، وكل أولئك الذين فهموا أن الحياة بلا كرامة محض ذُلٍ ومَهانة، لا يستسلمون لمحتل مستعمر أو طاغية متجبر.
منذ عقدين ونصف، لم تعد فنزويلا دولة عادية، بل فكرة وطريق وجغرافيا صمود وتاريخٌ لموقف ومقاومة، ونموذج جديد لسلطة شعبية قررت أن تقاتل لتنتصر، وتُبقي روح التمرد والمقاومة رفضاً لِسَوقِ شعوبنا لحظيرة الذل والعبودية.
لم يعد خافياً أن اليانكي الأمريكي مُثقل بالقذارة ودماء ضحاياه منذ تأسيس دولته فوق دماء الهنود الحمر قبل أكثر من قرنين ونصف من الزمان، ولم يعد قابلاً لتبييض صفحته وغسل جرائمه.
في واشنطن تُدير الإمبراطورية مصنعاً للإبادة الجماعية بكل اشكالها؛ بالقتل والتدميروالحصار والتجويع والحرمان من الوصول للعلاج. تُعيّن العملاء وتُصنع “معارضات” كرتونية وتسعى لغسل الوعي ومحو الحقيقة، لكن الثورة لا تُغتال بالعقوبات ولا تُربك بالمؤامرات، والفقراء الذين وقفوا إلى جانب تشافيز لا تُقنعهم تقارير الـ CNN، هؤلاء يعرفون عدوهم، يعرفونه في الحصار وأساليب القتل البطيء، ومن يصمد يُولد من جديد.
من يرفض بيع روحه ولا يتنازل عن ثوابته يورّث الكرامة، والثورة التي لا تموت في وجه التجويع لن تسقط في وجه جيوش العدوان والاحتلال.
فنزويلا اليوم تمثل ضلعاً من أضلاع الشرف الصامدة، فهي لا تطلب الشفقة، ولا تريد المساعدات، بل تطلب حقها برفع الحصار ووقف التهديدات والعدوان المنتهك لكل الأعراف والقوانين والمواثيق.
في وعينا وخطابنا وانحيازنا وأدواتنا نقول لفنزويلا؛ نراكِ كما نرى المقاومين وكما نرى كل من يصرخ في وجه الوحش الإمبريالي ويقول له لا بالفم الملأن، الحرية للرئيس مادورو.
مجد الفراج_الأردن
