إيران… حين تفشل المؤامرة ويعلو وعي الشعوب

بقلم:فاتنة علي،لبنان/سوريا الكبرى


«ليست الدول العريقة تلك التي لم تُحاصَر يومًا، بل تلك التي حوّلت الحصار إلى قوة، والمؤامرة إلى وعي، والضغط إلى ثبات.»
في خضمّ الأحداث التي تشهدها إيران مؤخرًا، خرجت أصوات كثيرة تهاجم هذه الدولة ذات التاريخ العريق والحضارة المتجذّرة، في محاولة مكشوفة لتشويه صورتها، وكأنها كيان طارئ على الجغرافيا أو دخيل على التاريخ. والحقيقة أن إيران ليست كيانًا مصطنعًا ولا دولة مزروعة، بل هي إحدى أقدم الحضارات الإنسانية، تركت بصمتها في الثقافة والسياسة والعلم، ولا يمكن محو هذا الإرث بجملة إعلامية أو حملة تضليل.
إنّ كل محاولات التشويه هذه لا يمكن فصلها عن السياق الأوسع، حيث تُبذل جهود حثيثة لحرف البوصلة عن العدو الحقيقي في المنطقة، أي الكيان الصهيوني («إسرائيل»)، عبر افتعال أزمات داخلية وتضخيمها، وتقديمها على أنها انهيار شامل، في وقت لا تصمد فيه هذه الرواية أمام الوقائع.
لا يمكن إنكار خروج احتجاجات في بعض المدن الإيرانية، وعلى رأس مطالبها تحسين الأوضاع المعيشية. وهذا أمر طبيعي في أي دولة في العالم، فإيران ليست مدينة فاضلة ولا تدّعي الكمال، كما لا توجد دولة خالية من الفساد أو الأزمات، بما فيها الولايات المتحدة نفسها، التي كلما مرّ الوقت تكشّفت مستويات عميقة من الفساد البنيوي داخل نظامها، غير أن صورتها تُلمَّع إعلاميًا بفعل التواطؤ الدولي وهيمنة الخطاب الغربي.
لكن ما يجري في إيران اليوم يُضخَّم بشكل متعمّد لخدمة بروباغندا صهيو–أمريكية، فالحقيقة أن مستوى هذه الاحتجاجات أقل عددًا وتأثيرًا من احتجاجات سابقة، بما فيها تلك التي أعقبت حادثة مهسا أميني. ويزداد الشك حين يأتي هذا التصعيد في توقيت حساس، بالتزامن مع تصريحات علنية للموساد يعترف فيها بتدخله، ومع اصطفاف الإدارة الأمريكية كمدافع زائف عن “حقوق الشعوب”، وهي التي لم تُبدِ يومًا أي اكتراث حقيقي لمعاناة الشعوب المظلومة.
وفي هذا السياق، يطفو على السطح وليّ العهد المزعوم رضا بهلوي، الذي لم يتجاوز دوره لعب البهلوان في سيرك سياسي، محاولًا تنصيب نفسه قائدًا لهذه التحركات. ورغم تصفيق بعض السذّج له، فإن الأمريكي نفسه أبقاه خارج حساباته الجدية، ما يطرح سؤالًا مشروعًا: ما اللعبة الحقيقية التي تُدار في الكواليس؟
للإجابة، لا بد من العودة إلى جوهر القوة الإيرانية، لا إلى سطح الحدث. فكثيرون يجهلون أن إيران حوّلت العقوبات والحصار إلى عنصر قوة، لا إلى نقطة انهيار. فهي دولة منتجة لا تعتمد كليًا على الاستيراد، تمتلك قاعدة صناعية وزراعية وطبية متقدمة. إيران من أكبر الدول المصدّرة للغاز عالميًا، ومن الدول المتقدمة في إنتاج النفط، وتحتل المرتبة الأولى عالميًا في زراعة الزعفران، وتُعد من كبار منتجي التمور والفستق. كما أنها لاعب رئيسي في سوق البتروكيميائيات، خصوصًا الميثانول والبلاستيك، إضافة إلى معادن استراتيجية كالحديد والفولاذ والنحاس.
وعلى الصعيد الصناعي والطبي، تصنع إيران سياراتها، وتمتلك قطاعًا طبيًا متقدمًا شكّل أحد أهم أسباب صمودها حتى اللحظة. أما موقعها الجغرافي، فيمنحها ثقلًا إقليميًا ودوليًا لا يمكن تجاوزه. لذلك، فإن ربط استقرار إيران بسعر صرف الدولار قراءة سطحية وساذجة، فإيران دولة تنتج أكثر مما تستهلك، رغم حاجتها المحدودة لبعض التقنيات.
التظاهر حق مشروع، ولا يمكن مصادرته، لكن حين يُوظَّف لخدمة أجندات خارجية، ويتحوّل إلى أداة تخريب وتمسّ بالأمن القومي، فإننا نخرج من إطار الاحتجاج المشروع إلى دائرة العبث والخيانة. وهنا تتجلّى طبيعة الشعب الإيراني، شعب قومي وطني، شديد الانتماء، حتى في معارضته. شعب يفاخر بتاريخه، ولا يقبل التقليل من شأنه أو من دولته.
لهذا السبب تحديدًا، شهدنا ذلك الالتفاف الواسع حول إيران الدولة، وإيران الوطن، وإيران القيادة، ليس لأن الخلافات الداخلية قد زالت، بل لأن أولوية الحياة، ووحدة البلاد، وردع العدوان، تتقدّم على كل اعتبار. لقد نجح الشعب الإيراني في اختبار الوعي سابقًا، ويبدو أنه ينجح فيه اليوم أيضًا، بدليل تراجع زخم الاحتجاجات في مدن كان يُعوَّل عليها لإشعال الداخل.
أما الحديث عن ضربة عسكرية أمريكية أو صهيونية، فهو محاولة ابتزاز سياسي أكثر منه قدرة فعلية. فلو كانت (أمريكا العظمى) أو الكيان الصهيوني قادرَين على الحسم العسكري، لما لجآ إلى تحريك الأدوات الداخلية. هذا بحد ذاته دليل عجز، وإن كان لا يلغي احتمال الحماقة، وهي عنصر ثابت في سلوك ساكن البيت الأبيض، الذي أثبت أنه يقود بلاده من أزمة إلى أخرى، من أوكرانيا إلى سوريا، ومن اليمن إلى فنزويلا وكوبا، في استعراض فجّ لجنون العظمة الذي يجعل السقوط أكثر مدوّية.

خلاصة المشهد أن إيران لا تُحارَب لأنها دولة إسلامية فقط، ولا لأن لديها مشاكل اقتصادية بفعل العقوبات، فالغرب لم يهتم يومًا بمعاناة الشعوب. إيران تُحارَب لأنها قالت “لا” بوجه الهيمنة، لأنها تدعم حركات المقاومة علنًا ودون خجل، ولأن دستورها ينص صراحة على نصرة المستضعفين والمظلومين. تُحارَب لأنها الرقم الصعب، ولأنها دولة عريقة متجذّرة، تملك من الوعي ما يكفي ليُدرَّس.
الطريق أمام إيران ليس خاليًا من المطبات، والحذر واجب، فمحاولات المستعمر لن تتوقف. لكن ما عجزت عنه (إسرائيل) و(أمريكا العظمى) في المواجهة المباشرة، لن تنجح في تحقيقه عبر العبث بالداخل، طالما بقي وعي الشعب ومنسوب وطنيته مرتفعًا.
«قد تُحاصَر الدول، وقد تُستهدف، لكن الشعوب الواعية وحدها هي التي تُفشل المؤامرات وتكتب الفصل الأخير من الصمود.»