:
تداعيات زلزال الطوفان في الخليج
ناصر قنديل
– يرتبك الذين بنوا علاقاتهم وحساباتهم على معادلة الموقف الخليجي الموحّد مع الأزمة المتفجرة التي أصابت كالصاعقة العلاقات بين الركنين الأشد حضوراً في الموقف الخليجي، السعودية والإمارات، فهؤلاء لا يستطيعون أولاً المفاضلة في خياراتهم واختياراتهم وهم يرفلون بنعم الدولتين الفاعلتين معاً، وبالتوازي أصابهم التلعثم في خطاب قائم أصلاً على تقديم المثال الخليجي للتباهي به والتنمّر عبره على مَن يقولون بالمقاومة بالقول انظروا إلى الخليج، وقد صاروا اليوم مجبرين على التفصيل بالحديث عن الخليج ويحدّدون من يقصدون بالخليج وهل الأمور بخير أو هل ستكون بخير، وهل هناك مثال للاستقرار اليوم اسمه الخليج؟
– ينصرف أغلب مَن يتابع إيقاع المشهد اليمني كمسرح للمواجهة الخليجية الخليجية بالبحث في الأسباب اليمنية والخليجية أو كلتيهما، وينصرفون عن حقيقة أن كل ما يجري هو من تداعيات زلزال الطوفان، الذي أسقط صورة القوة الإسرائيلية التي بقيت عاجزة عن حسم الحرب في قطاع غزة وفي جنوب لبنان، لكنها وهذا هو الأهم هزمت أمام اليمن في البحر الأحمر، وهزمت معها أميركا، والمفارقة أن “إسرائيل” التي هزمت العرب الأقوياء عام 1967 في ستة أيام واحتلت 90 ألف كلم مربع، لم تستطع الانتصار على العرب الضعفاء في حرب امتدت لسنتين بين 2023 و2025، ولم تحتلّ إلا بضع مئات قليلة من الكيلومترات المربعة، وهي غير واثقة من قدرتها على البقاء فيها، ولذلك راحت تتلاعب بالوضع العربي الرسمي الذي لم يقاتل ضدها، بل ربما تمنى لها النصر على قوى المقاومة في الحرب، وهذا لم يشفع للنظام العربي عند “إسرائيل”، فبدأت بالوليد الجديد في سورية الذي قدّم لها كل أسباب الأمن، أبدى استعداده للأكثر فأشبعته ضرباً ومدّت قدميها في أرضه وأجوائه، وقصفت الدوحة عاصمة قطر، لكن كل ذلك لم يصنع صورة النصر التي تحتاجها، فقرّرت إنشاء كماشة مزدوجة على البحر الأحمر من أرض الصومال وحضرموت، واستغلّت علاقتها بالإمارات لفعل ذلك، لكن تطويق البحر الأحمر ليس حصاراً لصنعاء التي هددت باستهداف أي حضور إسرائيلي في أرض الصومال، بل هو حصار للسعودية.
– بنيامين نتنياهو الذي أعلن تغيير الشرق الأوسط لم يستطع تقديم دليله على هذا التغيير في كل جبهات الحروب التي خاضها، فقرّر أن يفعل ذلك حيث لم تكن هناك جبهات حروب، فتحجيم مصر والسعودية وتركيا أهداف إسرائيلية واضحة، والردّ ليس بدعوة “إسرائيل” لتشكيل رباعي إسرائيلي سعودي تركي مصري، بل بتشكيل رباعي مصري سعودي تركي إيراني يردع “إسرائيل”، وتكون قوى المقاومة في قلب هذا الرباعي، قرّرت إسرائيل التمدّد في مناطق الفراغ العربي، وما أكثرها من السودان إلى ليبيا إلى سورية إلى الصحراء الغربيّة، والمواجهة السعودية الإماراتية كصرخة غضب سعودية ربما تفيد في تصويب اتجاه النقاش العربيّ، لكنها ليست الجواب على حجم التحدّي، فمسار التطبيع الذي انخرطت فيه دولة الإمارات واستثمرته “إسرائيل” إلى أبعد مدى، تم برضا عربي جامع كانت السعودية جزءاً منه إن لم تكن في طليعة التغطية والموافقة، فهل هناك مراجعة تبدأ من السعودية لكل مسار التطبيع، والقناعة كما قال الملك فيصل بعد حرب عام 67، إن ردع “إسرائيل” بالقوة العربية شرط لبناء السلام معها، ولذلك تعهد الملك فيصل بتمويل القدرات العربية اللازمة لمواجهة “إسرائيل” خصوصاً في مصر وسورية، ولذلك وضع النفط سلاحاً في منازلة القوة التي اندلعت في تشرين 73، وأي موقف لا يصل إلى هذا المستوى سوف يفتح جرحاً عربياً جديداً، لكنه لن يعدل الموازين الحقيقية، وعند تعديل الموازين سوف يسير الجميع وراء القيادة العربية التي تتبنى استراتيجية التوازن الإقليمي الاستراتيجي بوجه الأطماع الإسرائيلية والعدوانية الإسرائيلية، فهل يتخذ صناع القرار الكبار قراراً عربياً بقطع كل العلاقات مع “إسرائيل” إلى حين قيام الدولة الفلسطينية كما تقول المبادرة العربية للسلام، ويربطون تمويلهم لأميركا بتراجعها عن تأييد قرارات ضم القدس والجولان لـ”إسرائيل”؟
– من هنا تبدأ الحكاية وهنا تنتهي، وبخلاف ذلك سوف تنجح “إسرائيل” بتغيير الشرق الأوسط، حيث لا توجد خريطة مقاومة، وسوف تنجح بتفجير العلاقات العربية العربية، حيث لا توجد إرادة مواجهة جذر الأزمة، وهو الموقف من “إسرائيل” والوقوف مع فلسطين، واليمن مفصل هام في هذه اللوحة العربية، ولكن ليس على قاعدة المنافسة بين مجلس رئاسي ومجلس انتقالي، وقد هرب كل منهما من تحمّل تبعات موقف أخلاقي إلى جانب شقيق يمني في صنعاء تحمّل تبعات إسناد غزة، اليمن مفصل هام عبر الانفتاح على حكومة صنعاء وإنهاء الانقسام اليمني بإنصاف الذين تحملوا عن العرب جميعاً تبعات الموقف وخاضوا الحروب وربحوها، ولكن العرب رفضوا مشاركتهم بالربح، خشية أن يشكل ذلك اعترافاً بالخطأ، وقد آن الأوان للاعتراف بأن وجهة السلاح نحو اليمن كانت بالأصل خطأ كلها، وأن الحل لا يتمثل بزيادة حرب جديدة
على حروب اليمن، بل بإقفال خط الحروب في اليمن عبر حوار يستعيد الوحدة اليمنية كلها، شمالاً وجنوباً، ويثبت موقع اليمن كثقل استراتيجي على البحر الأحمر يردع “إسرائيل”.
– عندما توجّه الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم للقيادة السعودية بدعوة الحوار لم يكن يطلب شيئاً للحزب أو لشخصه، بل يستقرئ ما هو قادم ليقول الكل مستهدف، فتعالوا نشبك أيدينا بأيدي بعض لنواجه معاً ونكون بوحدتنا أقوياء وننتصر معاً.
