– لا يمكن أن يحسب كلام الرئيس الأميركي المتعالي والمتعجرف في ملفات إيران وغزة ولبنان، إنجازاً لرئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو، فهذا موقف تقليدي ونبرة أصيلة لدى ترامب لا تحتاج إلى تحفيز من نتنياهو، الذي لم يطلب لقاء ترامب لإقناعه بأنه يجب عدم التساهل مع إعادة إيران بناء قدراتها النووية أو تطوير قدراتها الصاروخية، ولا كان ترامب يحتاج إلى لقاء نتنياهو للاقتناع بأن نزع سلاح المقاومة في غزة ولبنان يجب أن يبقى هدفاً، واللقاء كان مكرساً لمناقشة فكرة محددة جوهرها، هل ترامب يمنح نتنياهو التفويض والدعم للقيام بالمهمة، مهمة منع إيران من استعادة قدرتها النووية وتطوير قدراتها الصاروخية واستعداد واشنطن للمشاركة بما يلزم لتحقيق الهدف، أم لا، وهل يمنح ترامب لنتنياهو التفويض والدعم لتولي مهمة نزع سلاح المقاومة في غزة ولبنان بالعودة إلى الحرب، وهل يؤيد ترامب سقف التحرك الإسرائيلي في سورية، بالرغم من تأثيره على النظام الجديد الذي يتبناه ترامب، وهل يتراجع ترامب عن دور إقليمي لتركيا في غزة وسورية وفقاً للحسابات التي جاء بها نتنياهو؟

– اللغة الترويجية التي استخدمها ترامب في الحديث عن نتنياهو، مرة كبطل ومرة كقائد أنقذ “إسرائيل” من الزوال مستفيداً من “عبقرية” ترامب ودعمه اللامحدود، وصولاً إلى الكذب بشأن قضية طلب العفو عن نتنياهو بالإشارة إلى كلام نسبه ترامب لرئيس الكيان حول أن العفو يسير بالاتجاه اللازم، الذي سارع للنفي، ومع هذه اللغة دعوة الرأي العام في الكيان لدعم عودة نتنياهو إلى الحكم، لأن لا أحد مثله يمكن أن يحقق لـ”إسرائيل” ما تحتاجه، تدخل ضمن الأهداف التي جاء نتنياهو لأجلها إلى لقاء ترامب مستعيناً به لتحسين شروط معركته الانتخابية القادمة، وهو يعلم أن الحماية الأميركية للكيان صارت بعيون المستوطنين بوليصة التأمين لبقاء الكيان، وليست قيادة نتنياهو، وأن الناخب في الكيان لن يمانع بانتخاب نتنياهو مجدداً إذا كانت هذه هي الطريقة للحفاظ على أعلى مستويات الدعم الأميركي للكيان وحمايته.

– على الصعيد الانتخابي حصل نتنياهو على حملة علاقات عامة ممتازة قدمها ترامب لحسابه، لكن هذا يعني أن نتنياهو الذي وجه لترامب الدعوة لزيارة فلسطين المحتلة في أيار المقبل، سوف يبقى رهينة هذا الدعم خلال السنة الانتخابية، وهي السنة التي سوف تشهد السير بخطوات جزئية متلاحقة في جبهات إيران ولبنان وسورية، وخصوصاً في غزة والضفة الغربية، وهذا يعني أن السير بالمرحلة الثانية من غزة سوف يبدأ وفق توقيت ترامب، وأن نتنياهو سوف يسير على مضض، وأن مستقبل السلاح ليس اختصاصاً إسرائيلياً، بل هو موضوع الدول العربية والإسلامية كما أوحى كلام ترامب، ونمشي خطوة ثم نرى، وربما نذهب إلى إعادة الإعمار بينما قضية السلاح لم تحل، لكن القوة الدولية كأولوية للمرحلة الثانية لا تبدو قد حلت، باعتبار الدور التركي فيها هو محور الخلاف بين ترامب ونتنياهو، وهو موضوع تشاور مستمر كما قال ترامب عن السعي لترتيب العلاقة بين نتنياهو والرئيس التركي رجب أردوغان، ومثلها العلاقة مع سورية حيث جدد نتنياهو بوضوح طلباته، وجدد ترامب دعوته لعلاقات جيدة مع الحكم الجديد، تحت الرعاية الأميركية.

– مع إيران ولبنان كان شعار ترامب التهديد، لكن نمنح الفرصة للحلول السياسية وسوف نرى، بما يعني أن طلبات نتنياهو لم تلق الاستجابة التي كان ينتظرها، و ترامب يقول إنه يشارك نتنياهو مخاوفه وأهدافه، لكن يريد إعطاء فرصة للحلول السياسية، ما يعني أن لا تفويض لـ”إسرائيل” بالذهاب إلى حروب لا يمكن خوضها دون دعم أميركي وربما يحتاج الأمر مشاركة أميركية، وتقديم استبعاد خيار الحرب بصفته موقفاً مؤقتاً، أي تأجيل خيار الحرب ربما يكون بالنسبة لترامب مثل القول عن غزة إن هناك دولاً سوف تدمر حماس إذا لم تنزع سلاحها، بما يغني “إسرائيل” عن القيام بذلك، بما يوحي أن الأولوية هي إبعاد “إسرائيل” عن شن الحروب تحت العباءة الأميركية، ولأجل ذلك لا مانع من قول الكثير وفعل الكثير.

– الحصيلة أن “إسرائيل” سوف تواصل نشاطها العدواني في جبهات غزة ولبنان وسورية، أملاً بلحظة تستطيع فيها القول لأميركا إن الرهان على طرق أخرى لتحقيق الأهداف لم ينفع، وإن تولي “إسرائيل” المهمة هو الحل، لكن مشكلة نتنياهو بعد تجارب حرب السنتين، والمهل الممددة لإنجاز المهمة دون جدوى، ليس بيد “إسرائيل” أي فرصة للقول إن توليها المهمة مضمون النتيجة وإنه غير مكلف على أميركا، التي يستعدّ رئيسها وحزبه لخوض انتخابات مفصلية خلال عام مليء بالتحديات، تمثل الخدمة الوحيدة التي يمكن لنتنياهو تقديمها لحليفه ترامب هي عدم شنّ أي حرب تذكر الناخب الأميركي بدرجة القرب بين صورة نتنياهو وصورة ترامب، ولا مانع من استخدام الصورة المشتركة في انتخابات نتنياهو شرط عدم ظهورها في انتخابات ترامب.

ناصر قنديل