«أكتوبريون»

مروان عبد العال/ عضو المكتب السياسي للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين

لكل أكتوبر في الوجدان الفلسطيني نكهة أخرى؛ إنه شهر العشق الفدائي، حيث تتداخل الذاكرة بالبطولة، والشغف بالمقاومة، والأرض بالحكاية التي لا تنتهي. ليس شهرًا عابرًا في تقويم السنة، بل مساحة تتقاطع فيها تواريخ المواجهة مع مشاعر الذين اختاروا أن يحبّوا فلسطين حدّ التضحية.
أكتوبر شهر لا يشبه سواه. كلما عاد، استيقظت في الذاكرة حكايات لم تكتمل، وأسماء لم تغب، وأسئلة لم تجد أجوبتها. فيه شيء من العشق الذي لا يهدأ، ومن الثورة التي لا تنفصل عن الحياة؛ هندما يصبح أكتوبر فدائياً ليس افتتانًا بالحرب، بل إيمانٌ بأن للحياة معنى يستحق الدفاع عنه، وأن الأرض ليست مجرد مكان، بل ذاكرة وانتماء ومستقبل.
نحن أيضًا نعيش في منتصف أشياء كثيرة؛ لا نحن كما كنّا، ولا أصبحنا بعد ما نريد أن نكون. نترك وراءنا مراحل وأحلامًا وتجارب، من دون أن نعرف دائمًا أن كانت انتهت فعلًا أم أننا اضطررنا إلى مواصلة الطريق قبل أن نمنحها وقتها الأخير. لكن بعض الأشياء لا تنتهي حين نغادرها؛ تبقى فينا، تتغيّر صورتها، وتعود كلما استدعى الحاضر ما تركناه معلّقًا في الذاكرة.
ولعلّ علاقتنا بالتاريخ تشبه ذلك. فنحن لا نستعيد الماضي لنقيم فيه، ولا لنكرّر حكاياته كما لو أن الزمن توقّف عندها، بل لنفهم ما بقي منها في حاضرنا، وما الذي لم نستطع تجاوزه بعد.
من حرب أكتوبر 1973 التي هزّت صورة التفوّق «الإسرائيلي»، إلى عملية الجبهة الشعبية في 17 أكتوبر 2001 ردًّا على اغتيال أبو علي مصطفى، وصولًا إلى «طوفان الأقصى» في 7 أكتوبر 2023، تتوالى محطات الصراع، فيما تواصل غزة دفع الثمن حربًا وحشية ودمارًا وكارثةً إنسانية.
ثلاثة تواريخ أكتوبريّة، لكلٍّ منها حكايتها وسياقها ونتائجها. لا يجمعها التطابق، بل ذلك الخيط الممتدّ في تاريخ لم تُغلق صفحاته بعد. كأن أكتوبر، كلما عاد، أعاد معه سؤالًا مؤجّلًا عن الحرب والحرية، وعن شعب لا تزال قضيته تنتظر العدالة.
ربما لهذا لا أرى في أوراق الشجر التي تسقط في أكتوبر صورةً للفقد وحده. أراها أيضًا جزءًا من تجدد دورة الحياة، ومن شجاعة التغيّر؛ فما يسقط ليس بالضرورة استسلامًا، وما يبقى ليس دائمًا انتصارًا. لكن الإنسان، بخلاف الشجرة، لا يستطيع أن يترك وراءه كل شيء ببساطة.
«أكتوبريون» إنّهم يقرؤون هذه التواريخ ضمن ذاكرة الصراع وتحولاته، لا ليظلّوا أسرى الماضي، بل ليفهموا ما بقي منه مفتوحًا في الحاضر. إنهم لا يحوّلون الذاكرة إلى حنين جامد، ولا يكتفون باستعادة الوقائع، بل يبحثون عمّا تعنيه للمستقبل.
«أكتوبريون» ليسوا غضبًا دائمًا ولا إقامةً في لحظة المواجهة؛ إنها أيضًا القدرة على حماية الحياة من أن تُختزل في الموت، وعلى صون الحبّ من أن تبتلعه الكراهية، وعلى مواصلة الحلم حين تبدو شروطه مستحيلة.
وفلسطين ليست عنوانًا قابلًا للطيّ، ولا حكايةً يمكن إغلاق كتابها، ولا ذاكرةً تُطوى بانتهاء موسمٍ أو تتوارى خلف ضجيج الأحداث؛ إنها جرح التاريخ المفتوح، وحقٌّ لا تُسقطه الغفلة، وحقيقةٌ لا يمحوها النسيان.
إنها حياة يومية تُنتزع من بين أنياب الموت: أمّ تنتظر ابنها، وطفل يحفظ اسم قريته، ويد تعيد زراعة شجرة اقتُلعت، وبيت يحاول النهوض من الركام، وكتاب يُفتح رغم الحرب.
فالتواريخ لا تمنحنا خلاصًا جاهزًا، والذاكرة لا تعيد الموتى ولا تمحو الخسارات، لكنها تمنع الظلم من أن يصبح أمرًا عاديًا، وتحفظ للضحايا أسماءهم، وللأحياء حقّهم في مواصلة الطريق. وبين ما مضى وما لم يتحقق بعد، تبقى مهمتنا ألّا نترك المستقبل نسخة أخرى من المأساة.
«أكتوبريون» من حرب الجولان والعبور في أكتوبر 1973، إلى محطة السابع عشر من أكتوبر 2001، وصولًا إلى طوفان السابع من أكتوبر 2023. ثلاثة تواريخ مختلفة تتقاطع في ذاكرة صراع لم يُحسم، وقضية لم تجد طريقها إلى العدالة. فالأحداث تتغيّر، والسنوات تمضي، لكن فلسطين تبقى حاضرة في قلب التاريخ، ويبقى حق شعبها في الحرية وتقرير المصير أفقًا لا يكتمل الاستقرار من دونه.
يكتب المنتصرون التاريخ غالبًا، لكنهم لا يمتلكون الحقيقة كلّها. يكتبونه من موقع القوة، فيما يحفظ المهزومون في ذاكرتهم ما حاول المنتصر محوه. التاريخ صراعٌ بين من يملك سلطة الرواية، ومن يملك حقّ رواية الحقيقة.

المصدر/ مجلة الهدف، العدد ١٥٦٢