هندسة الوعي وسقوط الأقنعة
الوكلاء الجدد وحرب الخداع الناعم في لبنان والمنطقة
د. نبيلة غصن
تطور أساليب الهيمنة.. حين يتبدل الوجه ويبقى الجوهر
إن أخطر ما تواجهه الأمة في هذه المرحلة بالتحديد، هو أن الانهزام العسكري أو السياسي المؤقت للمشاريع الاستعمارية لا يعني أبداً موتها أو زوالها، بل يعني دخولها في دورة «تطهير شكلي وتجميل إعلامي» بانتظار اللحظة المواتية للعودة.
لم تعد المشاريع الإمبريالية والاحتلالية تعتمد على الأدوات الخشنة التقليدية وحدها، بل طورت منظومتها لإنتاج «وكلاء محليين» يرتدون حلة العصر، وينطقون بخطاب معولم يستهدف الوعي الغض للجيل الجديد. هذا الوجه الأكثر خبثاً للحرب الناعمة لا يواجه السلاح بالسلاح، بل يغتال الوعي بالوعي، ويوظف المفاهيم الوطنية النبيلة (كالسيادة، والحرية، والسلام) كـ «حصان طروادة» لتمرير ثقافة الاستسلام وتفكيك عناصر المَنعة الحقيقية للأمة.
أولاً: هندسة الخداع اللفظي وسرقة المفاهيم الوطنية
تعتمد هذه النخبة الوظيفية المجددة على «التلاعب اللغوي» وتفريغ المصطلحات من مضامينها الحقيقية، لتتحول المفاهيم السيادية إلى أدوات لهدم الدولة من الداخل. ويمكن رصد هذا التلاعب عبر محورين أساسيين:
«إن التلاعب بالمفاهيم ليس مجرد عبث لغوي، بل هو عملية هندسة اجتماعية خبيثة تهدف إلى جعل الضحية يصفق لجلاده، والمحتل منقذاً، والمقاوم مجرماً.»
● السيادة المقلوبة: يرفع هؤلاء شعار «السيادة والاستقلال» ليلاً نهاراً، بينما يسعون في الواقع إلى تجريد الوطن من كل قوة دافعة أو رادعة، وجعله مكشوفاً تماماً أمام الهيمنة الإسرائيلية-الأمريكية. فالسيادة في قاموسهم لا تعني استقلال القرار وحماية الثروات، بل تعني «الخضوع للإملاءات الخارجية»، والارتهان للمؤسسات الدولية الموجهة، وقطع دابر كل قوة وطنية قادرة على الدفاع عن الحدود والسيادة الفعلية.
● السلام المزعوم (وهو استسلام): يتم ترويج «السلام» باعتباره الممر الإجباري الوحيد للرفاه والازدهار الاقتصادي، متناسين أو متجاهلين حقيقة ساطعة كالشمس؛ وهي أن الكيان الغاصب لا يعترف بالسلام العادل بل يعترف بالخضوع والإملاءات المطلقة. إن ما يدعون إليه ليس سلام الأقوياء، بل هو الاعتراف بالهزيمة المسبقة وإدخال لبنان والمنطقة في حظيرة التطبيع، والتنكر لكل دماء الشهداء وتضحيات التاريخ الحديث والبعيد.
ثانياً: استهداف الجيل الجديد.. حرب الذاكرة والوعي
يدرك هؤلاء الوكلاء تماماً أن جيل اليوم، الذي وُلِد أو شبَّ بعد هزائم المشروع الصهيوني الكبرى في لبنان (كتحرير عام 2000 وهزيمة عدوان تموز 2006)، قد لا يحمل المعايير الميدانية والتاريخية القاسية التي عاشتها الأجيال السابقة. من هنا تبدأ خطة التسلل النفسي:
● اللعب على الأوتار الحساسة: استغلال الأزمات المعيشية والاقتصادية الخانقة التي يعاني منها الشباب اللبناني (والتي تحمل بصمات واضحة للحصار والسياسات المالية المرتهنة أصلاً) ، لإقناعهم بأن «المقاومة وسلاحها» هي السبب المباشر لكل وجع، وأن الحل السحري يكمن في اللحاق بركب «الشرق الأوسط الجديد» المزعوم والارتباط بالمنظومة الغربية.
● تزييف التاريخ و«غسيل الأيدي»: يحاول هؤلاء الوكلاء نزع صفة التبعية عن تاريخهم الارتباطي السابق، لتقديم أنفسهم على أنهم «أنبياء الحداثة والديمقراطية وحقوق الإنسان»، بينما هم في الجوهر ليسوا سوى حراس أوفياء لمصالح الأجنبي ومشاريع التوسع وهيمنة الإملاءات الخارجية في المنطقة.
ثالثاً: خنجر في ظهر المَنعة الوطنية.. الوظيفة التخريبية
إن خطورة هؤلاء اليوم لا تكمن في حجمهم العددي المحدود، بل في دورهم الوظيفي الخطير كـ «طابور خامس» ينشط بكثافة في زمن المعارك الكبرى. فبينما يخوض الشعب الأبي ومقاومته معركة الوجود والكرامة على الحدود، يعمل هؤلاء في الداخل على جبهات متعددة:
● طعن الحاضنة الشعبية: التشكيك المستمر بجدوى الصمود، وبث اليأس في النفوس، وتخوين عناصر القوة، وتبرير العدوان الإسرائيلي تارة عبر تحميل الضحية مسؤولية الجريمة تحت عنوان استهريئي فضفاض: «لماذا استفزوا العدو؟».
● إشاعة ثقافة العجز: الترويج الممنهج لأن لبنان «بلد قاصر» لا يستطيع العيش إلا تحت الوصاية الخارجية أو الرعاية الإقليمية والغربية، متجاهلين حقيقة تاريخية لا تقبل الجدل؛ وهي أن عزة الأوطان وسيادتها تُنتزع ولا تُستجدى.
رابعاً: تجليات الخداع الوظيفي.. تحليل تفصيلي للخطاب والممارسة
لإجل تظهير خطورة هذه الظاهرة بشكل عميق، لابد من قراءة نقدية متأنية تكشف التناقض الصارخ بين الشعارات البراقة التي يرفعها هؤلاء الوكلاء وبين حقائقهم الموضوعية على الأرض؛ حيث تتجلى هندسة التضليل في عدة مفاصل رئيسية:
● في ملف السيادة الوطنية: يروج هؤلاء لمقولة «نزع السلاح» تحت ذريعة استعادة سلطة الدولة وبسط سيادتها المطلقة، غير أن الفحص الموضوعي لهذا الخطاب يكشف عن حقيقة كارثية مفادها أن الغاية ليست بناء الدولة القوية، بل كشف الوطن بلا حماية أمام غطرسة الهيمنة الإسرائيلية-الأمريكية، وجعل البلاد ساحة مستباحة ترتهن لأي إملاء خارجي دون أدنى قدرة على الردع أو المدافعة.
● في ملف السلام المزعوم: يرفع الوكلاء شعار «السلام والازدهار والرفاه الاقتصادي» كطعم استدراكي للشعوب المنهكة، بينما الجوهر الحقيقي لهذا الطرح هو تكريس الاستسلام المطلق، والانخراط المتسارع في مسارات التطبيع المهينة، وشطب الذاكرة التاريخية وتضحيات الأحرار، لتتحول الأوطان إلى مجرد أسواق تابعة للمشروع الصهيوني-الغربي.
● في استهداف الجيل الناشئ: يتستر هؤلاء خلف مفاهيم جذابة براقة مثل الحداثة، الديمقراطية، وحقوق الإنسان، مستغلين طموحات الشباب المشروعة، لكن الهدف الخفي هو تفريغ الوعي الوطني، ونشر ثقافة اليأس والتبعية النفسية، وتحويل الشباب من طاقات ثورية حية ومبدعة إلى أدوات طائعة لترويج ثقافة الانكفاء والاستسلام.
● في استغلال الأزمات المعيشية: يعمد الوكلاء إلى تحميل المقاومة وبيئتها الحاضنة مسؤولية الفقر والدمار والأزمات المالية والاقتصادية، محاولين عبثاً التغطية على الأسباب الجذرية الحقيقية التي صنعت الأزمة، والمتمثلة في الحصار الممنهج والسياسات المالية المرتهنة للدوائر المالية الدولية التي هندست الانهيار الداخلي لتركيع الشعب اللبناني.
خامساً: آليات المواجهة وبناء الحصانة الفكرية والمجتمعية
إن المعركة اليوم ضد هؤلاء الوكلاء لا تقل شراسة أو أهمية عن المعركة الميدانية؛ فهي في طليعة الأمر معركة وعي واشتباك فكري مستمر لكشف زيف الشعارات التي يرفعونها، وتعريتهم أمام الجيل الجديد الذي يحاولون استدراجه إلى مستنقع الاستسلام وهم يظنون أنه طريق النجاة والخلاص.
● توثيق الذاكرة الجماعية: نقل إرث الانتصارات والتضحيات للأجيال الناشئة لئلا تنسى من صنع الاستقلال الحقيقي ومن كان شريكاً في الوصاية والارتهان.
● تفكيك الخطاب المعولم: كشف التناقضات الصارخة بين ما ينادي به هؤلاء من شعارات برّاقة وبين واقعهم السياسي المرتهن للدوائر الغربية.
● التحصين المجتمعي والاقتصادي: إيجاد شبكات تكافل واكتفاء تقوض مفاعيل الحصار المفروض على الحاضنة الشعبية للمقاومة.
ختاما إن التاريخ لا يرحم، والوعي الحي هو الحصن الأخير الذي سيسقط أمام أقدامه كل مشاريع العمالة والارتهان. إن معركة الوعي اليوم هي الفيصل الحقيقي في تحديد هوية المنطقة ومستقبل أجيالها؛ فإما وعي مقاوم يرفض الخنوع ويثبت الحق في البناء والسيادة، وإما سقوط في فخ الاستسلام الناعم الذي يُلبَس ثوب الحضارة زوراً وبهتاناً.
المصدر: صباح الخير “البناء”
