لحظة.. هذا ليس خبرا كاذبا أو ساخراً، بل حقيقة تبعث على الضحك والبكاء معا، أعلنت مديرية التوجيه الوطني والمعنوي في جنين، بكل فخر رسمي، عن تنظيم “محاضرة توعوية لضباط ومنتسبي الشرطة الجوية” حول أهمية التسجيل الانتخابي.
نعم، الشرطة الجوية. في الضفة الغربية.. هنا توقفنا، وبحثنا عن المطار، عن المدرج، عن طائرة واحدة، عن مظلة مظلي، عن أي شيء يرتفع أكثر من مترين عن الأرض،  فلم نجد، وجدنا فقط جهاز ولافتة ومئات العناصر وموازنة تُصرف.
الخبر الرسمي يتحدث عن محاضرة عقدها العقيد حقوقي ربيع أبو الحسن لضباط “الشرطة الجوية” في قيادة منطقة جنين،  وموضوع المحاضرة هو المشاركة في الانتخابات والديمقراطية.
أما السؤال غير المطروح فهو: على أي ارتفاع سيمارس هؤلاء الضباط حقهم الديمقراطي؟ وهل سيوزعون بطاقات الانتخاب من طائرة ورقية؟.
الفضيحة ليست في عنوان المحاضرة، بل في الاسم، “الشرطة الجوية” كيان قائم، بلباس، وبرتب، وبرواتب، وبموازنة، مئات العناصر بحسب مصادر غير رسمية، يستهلكون من خزينة السلطة التي تشكو أصلاً من العجز. مقابل ماذا؟.
فالاحتلال يسيطر على الأجواء الفلسطينية 100%، ولا طائرة فلسطينية واحدة – حتى ولو ورقية- تحلق فوق رام الله دون إذن إسرائيلي مسبق، ولا مروحية، ولا حتى درون لتصوير عرس.
فالسيادة الجوية معدومة، والسيادة البحرية معدومة أصلاً لأنه لا بحر، أما السيادة البرية فمنقوصة عند أول حاجز يقف عليه جندي لا يتجاوز عمره 17 عاما، يتحكم بكل شيء حتى رأس القيادة، لكن يبدو أن أحداً قرر أنه ما دام لا نملك جواً، فلنخترع شرطة له، يا له من منطق عبقري جدا حد الإغراق في السفاهة والتفاهة معا.
لكن حتى لا نقطع سلسلة الضحك، فلنتخيل المشهد: ضابط شرطة جوية يستيقظ صباحاً، يرتدي لباسه الأزرق، يذهب إلى دوامه، يحضر محاضرة عن الانتخابات، ثم يعود للبيت، مهمته؟ غير واضحة، مهماته؟ غير موجودة. إنجازاته الجوية؟ صفر، لكن راتبه؟ موجود، وعلاواته؟ موجودة، وتقاريره؟ موجودة وتُرفع.
لكن السؤال الساخر هنا: ما الخطر الجوي الذي تتصدى له “الشرطة الجوية”؟ هل هي طائرات المستوطنين الورقية؟ أم صواريخ الأطفال؟ أم ربما تخشى السلطة من غزو جوي مفاجئ من مخيم بلاطة في الدولة المجاورة.
الواقع أننا أمام نموذج كاريكاتوري لدولة بلا سيادة، لا نملك براً كاملاً، ولا جواً، ولا بحراً. لكننا نملك “شرطة جوية”، نملك المسمى ونترك الجوهر، نملك الهيكل وننسى المضمون، ننفق على مئات العناصر ليحضروا محاضرات، بينما أبناء جنين أنفسهم يُقتحم مخيمهم كل يوم من الجو ومن البر ومن كل الاتجاهات.
باختصار: لدينا شرطة جوية تطير فقط في كشوفات الرواتب، أما في السماء، فالاحتلال وحده هو “سلاح الجو” الحقيقي، ونحن نكتفي بالمحاضرات.. والنكات السمجة.

الشاهد