إلى أين يتجه المشهد الإقليمي في ضوء تآكل المظلة الردعية الأميركية؟
د.إبراهيم علوش
يتسم المشهد الإقليمي حالياً بكثيرٍ من السيولة، وكثرة اللاعبين، وبالتالي تعدد الأجندات، وبروز تعارضات على السطح السياسي سرعان ما تحل محلها تقاطعات بين بعض من يفترض أنهم خصوم، ثم أصدقاء، ثم خصوم، ثم أصدقاء مجدداً.
تنفجر الخلافات الداخلية، في الآن عينه، من واشنطن إلى “تل أبيب”، بل بين واشنطن و”تل أبيب”، على هامش الصراع الكبير بين الطرف الأميركي-الصهيوني من جهة، ومحور المقاومة ومكوناته من جهة أخرى، ليصبح الهامشي مركزياً، ردحاً من الزمان على الأقل، فإذ بعقارب الحدث الراهن تعود بالمشهد إلى التصعيد في مضيق هرمز.
تتصارع الروايات الإعلامية فوق تلك المساحة المنكوبة باختلاط الأوراق والألوان، كأنها “برج بابل” في سفر التكوين، كلٌ يتحدث بلغةٍ مختلفةٍ، فلا يفهمُ أحدٌ أحداً. وينسحب الجمهور إعلامياً، لا سياسياً فحسب، إلى مربعات متباعدة، ويصمُّ المواطن غير المسيّس أذنيه درءاً للضوضاء، كأن إغراق الفضاء الإعلامي بالفوضى بات، بحد ذاته، ركن زاوية في الاستراتيجيات الإعلامية.
مثلاً: “مضيق هرمز مفتوح”، تصر القيادة المركزية الأميركية. وترد إيران: “لا، هو مغلق…”، حتى تصبح حقيقة الوضع في مضيق هرمز، في الحوار العام، مسألة تحتمل “اجتهادات متعارضة” يحاول ترامب والمسؤولون الأميركيون تسويتها بتصريحات وتغريدات يومية من أجل احتواء آثار إغلاق المضيق، أو قُل إعاقة الإبحار عبره، على أسعار حوامل الطاقة والمعادن والأسمدة الزراعية، وبالتالي كل ما يعتمد عليها كمدخلات.
تضيع الحقائق في غمرة تلك الفوضى: “رسوم عبور قناة باناما ترتفع 16 ضعفاً”، بحسب “فايننشال تايمز” البريطانية في 12/8/2026، إلى ما يتراوح بين 1.1 و2.5 مليون دولار لعبور الشحنة الواحدة، جراء انحسار المياه من جهة، وارتفاع الطلب الآسيوي على منتجات الطاقة الأميركية، بعد إغلاق هرمز، من جهة أخرى، في دليلٍ آخر على أثر الإغلاق.
لكنْ، غالباً ما تتبدد تلك “التفاصيل الصغيرة”، أو تتعادل على الأقل، مع إغراق المشهد إعلامياً بالأكاذيب، على الرغم من الآثار الجلية لإغلاق هرمز تضخماً في الأسعار، وتقطّعاً في سلاسل الإمداد، وتباطؤاً في النمو. فالمهم أميركياً الآن التخفيف إعلامياً من وطأة إنجاز إيران، ومنعها سياسياً من أن تظهر كطرف إقليمي ازداد ثقلاً بعد الحرب، أو قل، إن شئت، إن المهم هو التخفيف من وطأة عجز القيادة المركزية الأميركية عن حسم معركة هرمز، ناهيك بحسم الحرب بشروط الإدارة الأميركية.
عجزت الإدارة الأميركية إذاً عن الخروج بسرعة وبأقل الأضرار من المستنقع الذي تورطت فيه بشن الحرب على إيران، ثم راح عجزها يتجلى بصورةٍ أكبر أمام تغول حكومة نتنياهو في غزة والضفة وجنوبي لبنان وجنوبي سوريا.
وكان لا بد من ضبط نتنياهو، في المدى القصير، في سياق سعي ترامب لإبرام صفقة مع إيران، أولاً، وتخفيف الضغوط الاقتصادية الناتجة عن إغلاق هرمز، ثانياً، وترميم صورته كـ “صانع سلام”، ثالثاً، بدلاً من التورط في حروبٍ مطولة، وهو اللاهث وراء “جائزة نوبل للسلام”، إذا كنتم تذكرون، و”الصورة” رأسمال ترامب في المحصلة، وخصوصاً لدى قاعدته في “ماغا”.
وكان لا بد من ضبط نتنياهو، في المدى الطويل، في سياق سعي ترامب لضم لبنان وسوريا إلى الاتفاقيات الإبراهيمية، أولاً، وتعزيز التزام حلفاء واشنطن “العرب” بمظلتها وترتيباتها، إقليمياً ودولياً، ثانياً، وحماية “إسرائيل” من المأزق الذي تسربلت فيه بعد عجزها عن اكتساح الإقليم الذي ظنته لقمةً سائغة، ثالثاً.
هكذا باتت “إسرائيل” عبئاً دفاعياً وسياسياً على الولايات المتحدة، في خضم الحرب على إيران، وعبئاً على ترامب شخصياً، حتى بين شباب الحزب الجمهوري، وهو عبءٌ لا يمكن التنصل من مسؤوليته أميركياً، وفي الآن عينه، بات من المكلف جداً الاستمرار في مسايرته، حتى لا تذهب الولايات المتحدة معه إلى منزلقات خطيرة جداً سياسياً.
ولو تمكن الكيان الصهيوني من الإجهاز على المقاومة ميدانياً، ومن إعادة صياغة المشهد سياسياً في لبنان وغزة كما يشتهي، ولو نجحت مشاريع تهجير الغزيين، ولو تمكن الطرف الأميركي-الصهيوني من إسقاط إيران، كما أسقط نظام مصدق سنة 1953، واستعاد حكم الشاه رضا بهلوي، باختصار، لو لم يجد الطرف الأميركي-الصهيوني في مواجهته محوراً متماسكاً صامداً، وقادراً على إعاقة مخططاته في الميدان وفي السياسة، لما نشأت تعارضات بين سياسات إدارة ترامب وحكومة نتنياهو.
وتلك نقطة أخرى تسجل للمحور في هذه الحرب.
يستهدف مشروع “إسرائيل الكبرى”، في المقلب الآخر، بعض الأنظمة العربية المتحالفة مع الولايات المتحدة بصورة مباشرة.
أضف إلى ذلك أن مشروع التمدد الصهيوني في بلاد الشام، وإصرار حكومة نتنياهو على استراتيجية “الأمن الأقصى”، وتوسعة “المناطق العازلة” باستمرار، يشكل وصفة لزعزعة استقرار الأنظمة المكلفة بحماية أمن العدو الصهيوني جوياً وصاروخياً، وسياسياً.
ينبع عدم الاستقرار هنا من جانبين: أولهما، التهديد المباشر بالتمدد في دول وقعت أنظمتها معاهدات “سلام” مع العدو الصهيوني، بموجب “إسرائيل الكبرى”، أي بغزوها، أو بتهجير الفلسطينيين إليها، أو الاثنين معاً.
وثانيهما، أن جرح غزة المفتوح، وتمادي الصهاينة في العدوان في سوريا، ولبنان، وفي الضفة الغربية، وعلى المسجد الأقصى والمقدسات، يرفع كلفة الدفاع عن الكيان الصهيوني، وينال من مصداقية حلفاء واشنطن، ويضيف إلى مصداقية الطرح المقاوِم في الشارع العربي، ويزيد من تململ الشارعين العربي والإسلامي مهما حاولت الأنظمة العربية أن تستوعب ذلك التململ وتشتته وتخفيه أو تقمعه.
وتعرف الأنظمة جيداً أن المواطنين العرب معادون بالسليقة للكيان الصهيوني والهيمنة الأميركية، لذلك تجدها مترددة ومتمنعة أحياناً، لا مناهضةً للاحتلال الصهيوني أو الهيمنة الأميركية، أو حباً بالوطن أو العروبة أو الإسلام أو فلسطين أو الإنسانية، بل حرصاً على استقرارها ووجودها.
وقد تشذ عن تلك القاعدة، أحياناً، دولٌ صغيرةٌ يمثل غير المواطنين نسبة أعلى من مجمل المقيمين فيها، ويمثل غير العرب نسبة أعلى من أولئك. ويبرز هنا مثال الإمارات العربية المتحدة التي يشكل غير المواطنين أكثر من 88% من سكانها، أغلبهم من غير العرب، أي أن هامش المخاطرة بإغضاب الرأي العام المحلي والعربي يظل أقل نسبياً، جراء اتباع سياسات متصهينة علناً.
ويمكن مقارنة ذلك بنسبة المواطنين إلى المقيمين في السعودية، والتي تبلغ 20 مليون مواطن إلى نحو 15 مليون مقيم، بينهم نحو مليوني يمني، ومليون ونصف مليون مصري، ونحو 900 ألف سوداني، ونصف مليون سوري، أي أن هامش المخاطرة بإغضاب الرأي العام المحلي والعربي أكبر من الإمارات، الأمر الذي قد يفسر بعض الفروق في مقاربة الاتفاقيات الإبراهيمية مثلاً بين التوجهات الإماراتية من جهة والسعودية من جهةٍ أخرى، وليس بالضرورة في الموقف المبدئي من التطبيع.
نلاحظ، في المقابل، أن قطر التي تقترب فيها نسبة غير المقيمين من نسبتهم في الإمارات تتخذ مساراً مختلفاً جداً جراء عوامل شتى، منها حرص الدوحة على عدم الدخول في صدام مباشر مع طهران، وخصوصاً أن أكبر حقل غازي لديها على الإطلاق، حقل الشمال، تستثمره بصورة مشتركة مع إيران، وهو أكبر حقل غاز في العالم يحتوي على أكثر من 900 ترليون قدم مكعب من الغاز الطبيعي.
كما أن مشروعية الحكم في قطر تعرضت تكراراً لاختبارات قاسية على خلفية صدامات مع الأنظمة الخليجية، اتخذت سابقاً طابع القطيعة، أو الحصار المباشر، أو حتى الاشتباك العسكري.
وبما أن النزعة الوهابية كانت تغلب على تلك الأنظمة، فإن الدوحة اشتقت لنفسها مشروعية منافسة من خلال التقارب مع التيار الإخواني ومحاولة صياغة دور إقليمي بالاستناد إلى ذلك التقارب، ومن خلال تقديم نفسها كـ “وسيط مستقل”، إقليمياً ودولياً، من أفغانستان إلى غزة إلى الكونغو.
ويذكر أن التطبيع الخليجي الأول في التسعينيات، بدأ من قطر. ولا ننسى المؤتمر “الشرق أوسطي” التطبيعي الرابع في الدوحة سنة 1997، والذي قاطعته غالبية الدول العربية آنذاك.
المهم، لم يغب عجز الولايات المتحدة عن حسم معاركها الأخيرة، أو الحرب ككل، عن اللاعبين الإقليميين، وخلق ذلك نوعاً من الفراغ الذي لا تقبله الطبيعة أو السياسة، فإما أن تملأه إيران، وإما أن تملأه أقطاب دولية أخرى، وإما أن تنفجر صراعات لا نهاية لها على حقول النفوذ، وخصوصاً أن “إسرائيل” تناطح لملئه على الرغم من كونها منهكة.
من هنا نفهم “حلف مكة” الموقع بين باكستان وتركيا والسعودية، في 7/8/2026، كمحاولة لملء ذلك الفراغ. وهو حلف يجمع إمكانيات السعودية مالياً، وتركيا عسكرياً، وباكستان نووياً، لكنْ في مواجهة من؟
لعل من أهم مزايا المرحلة التي نواكبها من التاريخ المعاصر، مرحلة أفول الطرف الأميركي-الصهيوني بما يكفي لخلق حالة فراغ نسبية، مع بقائه قوياً بما يكفي لمنع بديل نقيض من الحلول محله بصورةٍ تامة، أنها تتيح الفرصة للاعبين الكبار والصغار الآخرين أن يزيدوا من مساحات نفوذهم.
وبحسب نظرية الألعاب Game Theory، فإن تزايد عدد اللاعبين يعقّد التفاعلات بصورة أكبر بكثير، ويصبح من مصلحة اللاعبين تشكيل ائتلافات لأن في ذلك مصلحة لكلٍ منهم، لكنّ ذلك يعقده إيجاد صيغ للتنسيق بين كل أولئك اللاعبين، وللتوفيق بين أجنداتهم، الأمر الذي يصبح أكثر صعوبةً مع تكاثرهم، ومع صعوبة إيجاد صيغ ملزمة لاتفاقات التنسيق بينهم يمكن أن يجد كلٌ منهم مصلحة في البقاء فيها بدلاً من الانقلاب عليها.
فإذا نجحت صيغ التنسيق المتفق عليها والتزم اللاعبون بها، جرى اقتطاع الكعكة بينهم كلٌ بحسب وزنه، وإلا تزايد احتمال نشوء ما تسميه نظرية الألعاب “مأساة المشاع” Tragedy of the Commons، إذ يحاول كل طرف تعظيم مصلحته من دون اعتبار لمصالح اللاعبين الآخرين، بالتغول على الموارد المتاحة وقابليتها للتجدد في المستقبل، قبل أن يسبقه اللاعبون الآخرون إليها.
يعني ذلك، في سياق الحوار الراهن، الاستباحة الكاملة لمنطقتنا وسيادة الفوضى فيها مع فقدان التوازنات القديمة فاعليتها، وعدم حلول أخرى بديلة عنها.
وبالعودة إلى حلف مكة بين باكستان وتركيا والسعودية، الذي نص على أن أي هجوم على إحدى هذه الدول يُعدّ هجوماً على الاثنتين الباقيتين، نجد أنه قابل للتسويق أميركياً و”إسرائيلياً” كحلف طائفي سني لاحتواء إيران، كرديف لـ”الناتو”، لا كبديل له، وهو ما أكدته وزارة الدفاع التركية والرئاسة التركية في تصريحات منفصلة بقولهما إن حلف مكة ليس بديلاً لـ”الناتو”.
كما أنه حلفٌ قابلٌ للتسويق شعبياً كحلف إسلامي في مواجهة مشروع “إسرائيل الكبرى”، وخصوصاً في ظل المنافسة التركية-الإسرائيلية على حقول النفوذ في سوريا، وبلاد الشام عموماً. وقد عبّر أكثر من مسؤول إسرائيلي عن توجسه من تحول الحلف إلى تحدٍ استراتيجيٍ محتمل يمكن أن يؤثر سلباً في ميزان القوى إقليمياً، من وجهة نظر الكيان الصهيوني.
لكن أهم ما في الحلف، بحسب عدد من التقارير والتحليلات الأميركية والدولية، هو أنه يعكس نوعاً من التحوط، سعودياً على وجه الخصوص، إزاء مخاطر عدم قدرة الولايات المتحدة على الوفاء بالتزاماتها أمنياً وعسكرياً، وتآكل مظلتها الردعية في المنطقة. انظر مثلاً تقرير “مجلس الأطلسي” Atlantic Council في 8/8/2026.
فهو حلف لا يشكل بديلاً للعلاقات الوطيدة لكلٍ من الأطراف المشاركة فيه مع الولايات المتحدة، عسكرياً واقتصادياً، ولا انقلاباً على مظلة الهيمنة الأميركية، وإنما يمثل محاولةً لتغطية انكشاف تلك المظلة في الحرب الأخيرة مع إيران، ونوعاً من التحصين إزاء احتمال تحول الأنظمة العربية إلى أضاحٍ على مذبح العلاقة الأميركية-الإسرائيلية.
وليس مرجحاً أن يجرؤ هذا الحلف على نصرة غزة السنّية، وعذراً على اللغة الطائفية، في مواجهة الكيان الصهيوني. كما أنه حلفٌ ليس من المرجح أن يشن حرباً على إيران، مع العلم أن كلاً من تركيا وباكستان تحاذي إيران حدودياً على مدى مئات الكيلومترات.
يوجد أصلاً 8000 جندي باكستاني، وطائرات نفاثة ومسيرات ومنظومة دفاع جوي باكستانية في السعودية، وهناك اتفاقية استراتيجية للدفاع المتبادل بين السعودية وباكستان، وقعت في 17/9/2025، تنص على أن أي هجوم على إحدى الدولتين يعد هجوماً على الأخرى، أي قبل العدوان الأميركي-الصهيوني على إيران في 28/2/2026، واستخدام القواعد الأميركية في الخليج لشنّه، ولما نرَ باكستان تنخرط في الحرب على إيران بعد، بل تحرص بعناية على أن تقدم نفسها كوسيط.
حلف مكة تكتل سياسي إذاً، هدفه حجز مقعد في الترتيبات الإقليمية، على الرغم من عنوانه العسكري الردعي، وربما يدخل مغامرات عابرة هنا أو هناك، ضد حركة أنصار الله في اليمن، أو الحشد الشعبي في العراق، أما التورط في العدوان السعودي على اليمن بصورة حثيثة، فليست أولوية في السياسة التركية أو الباكستانية حالياً.
ستجد السعودية، في المحصلة، أن الحلف العسكري الذي عقدته مع باكستان وتركيا لن يكون بديلاً عن التفاهم مع إيران، أو اليمن، وستجد أنها منحت نظام أردوغان غطاءً لممارسة دور أكبر في المشهد السوري، واللبناني، حتى على حساب دورها.
ويأتي ذلك الغطاء على خلفية تكريس دور النظام التركي إقليمياً، كضامن أمني، وخصوصاً بعد قمة “الناتو” في أنقرة بمشاركة ترامب، في 7/7/2026، وما تسرب من معلومات قبلها عن توجه ترامب لإعطاء النظام التركي دوراً أكبر في إدارة الملف السوري، بحسب تقرير موقع “ذا كونفرزيشن” مثلاً في 19/5/2025.
الفائز الأكبر في هذه المعادلة هو النظام التركي الذي يسعى لتوسعة نفوذه ضمن معادلة تقاسم نفوذ مع العدو الصهيوني. والغائب الأكبر في هذه المعادلة هو المشروع العربي.
المصدر: الميادين
