سقوط أوهام الهيمنة: قراءة نقدية في عقيدة الجنرال إتش. آر. ماكماستر وحروب المستقبل

د.نبيلة عفيف غصن


​عندما تولى اللفتنانت جنرال إتش. آر. ماكماستر (H.R. McMaster) منصبه الاستراتيجي الحساس، لم يكن مجرد تعيين روتيني لمسؤول أمني، بل كان محاولة من المؤسسة الإمبراطورية الأمريكية لاستدراك إخفاقاتها الهيكلية العميقة. فماكماستر، المؤرخ العسكري وصاحب التحفة النقدية “إخلال بالواجب” (Dereliction of Duty)، يمثل نموذج العقل العسكري الذي يرفض السذاجة التكنولوجية، ويدرك تماماً أن الآلة العسكرية الأمريكية، رغم قوتها الجبارة، قد سقطت مراراً في فخاخ استراتيجية قاتلة عندما واجهت شعوباً تقاتل من أجل قضاياها العادلة على أرضها.
​إن تفكيك عقلية ماكماستر وإدراك كيفية قراءته لـ “الحرب المستقبلية” ليس ترفاً أكاديمياً، بل هو ضرورة لفهم مسار الصراعات الكبرى، وكيف تسعى القوى الكبرى لتصحيح إخفاقاتها التاريخية في مواجهة قوى التحرر والمقاومة الصلبة التي لقنت الهيمنة الأمريكية دروساً قاسية في فيتنام والعراق وأفغانستان وغيرها من ساحات المواجهة.
​أولاً: العودة إلى الثوابت.. عندما تصطدم التكنولوجيا بإرادة الشعوب
​كباحث متعمق في التاريخ وحاصل على الدكتوراه، يدرك ماكماستر تماماً أن الهوس الأمريكي المفرط بالحلول السريعة والتفوق التكنولوجي المطلق غالباً ما يخفي هشاشة استراتيجية. وهو يؤسس رؤيته على حقيقة أن طبيعة الحرب ثابتة لا تتغير، مهما تطورت أدوات القتال. وتتلخص هذه الثوابت في أربع ركائز أبدية:
​الحرب ظاهرة سياسية بامتياز: هي أداة لتحقيق أهداف سياسية، وليست استعراضاً للقوة المجردة.
​الحرب ظاهرة بشرية وعاطفية: تحكمها الإرادة، الشجاعة، الصمود، والقدرة على تحمل الألم والتضحية.
​الحرب يلفها الغموض والتعقيد: لا توجد معادلة حاسمة أو خطة جراحية تسير وفق ما خطط له تماماً.
​الحرب صراع إرادات: المعركة الحقيقية هي بين إرادتين متصارعتين؛ وإرادة المدافع عن أرضه غالباً ما تتفوق على إرادة الغازي العابر للقارات.
​من هنا، يحذر ماكماستر المؤسسة العسكرية من خطيئة كلاسيكية تتكرر باستمرار: الاستعداد الدائم لخوض الحرب الأخيرة. وهو يرى أن الاعتقاد بأن تكنولوجيا المعلومات، والذكاء الاصطناعي، والضربات العابرة للقارات يمكن أن تلغي الحاجة إلى الصدام البشري والسياسي هو وهم مدمر.
​ثانياً: تفكيك الأوهام الأربعة.. تشخيص دقيق لأزمة القوة العظمى
​من خلال نقده العميق لعقائد القتال الأمريكية، شخص ماكماستر أربعة أوهام كبرى سيطرت على تفكير صناع القرار في واشنطن، وهي أوهام وفرت تاريخياً بيئة مثالية لنمو وتماسك قوى المقاومة الشعبية والوطنية التي عرفت كيف تستغل هذه الثغرات:
​1. خرافة مصاص الدماء (The Vampire Fallacy)
​تعبر هذه الخرافة عن الإيمان المطلق بأن الضربات الجوية التدميرية، وقصف البنى التحتية من مسافات بعيدة، قادرة وحدها على كسر إرادة الخصوم وتحقيق انتصارات سريعة ورخيصة (مثل شعارات “الصدمة والروع”).
يدرك ماكماستر أن الاستهداف من مسافات بعيدة قد يعطل التنظيمات أو يدمر أهدافاً محددة، لكنه غالباً ما يأتي بنتائج عكسية؛ إذ يشعل الغضب الشعبي، ويوحد الصفوف خلف قوى المقاومة، ويمنحها الشرعية الأخلاقية والسياسية، ما لم توجد قوات برية قادرة على فرض وقائع ميدانية دائمة. إن القصف وحده ليس استراتيجية، بل هو هدم أعمى يولد مقاومة أشد صلابة.
​2. خرافة “زيرو دارك ثيرتي” (Zero Dark 30 Fallacy)
​تتلخص هذه الخرافة في الاعتقاد بأن العمليات الخاصة السريعة، وعمليات الاغتيال، والغارات الخاطفة ذات المدة القصيرة، يمكن أن تكون بديلاً ناجعاً عن الاستراتيجيات العسكرية والسياسية الشاملة.
رغم جاذبية هذه العمليات للإعلام ولصناع القرار لسرعتها وخلوها من الخسائر الكبيرة المباشرة، إلا أنها عاجزة جذرياً عن تغيير الديناميكيات السياسية أو القضاء على الجذور العميقة للنزاع. فالغارات لا تغير وعي الشعوب، ولا تلغي البنيان التنظيمي والمجتمعي لقوى المقاومة المتجذرة في بيئتها.
​تتمثل هذه الخرافة في محاولة تجنب دفع الأثمان البشرية الباهظة عبر الاعتماد الكلي على الوكلاء المحليين أو القوات بالوكالة للقيام بالقتال الأرضي الخشن نيابة عن الجيش الأمريكي.
يعترف ماكماستر بأن العمل مع الشركاء المحليين ضرورة، لكنه يحذر من أن الاعتماد المفرط عليهم هو فخ قاتل؛ نظراً لانعدام الكفاءة، وتضارب المصالح الاستراتيجية، وفقدان هؤلاء الوكلاء للإرادة الشعبية الحقيقية، مما يترك القوة العظمى في النهاية بلا حلفاء حقيقيين وبلا أفق استراتيجي، كما أثبتت التجارب الفاشلة في مختلف ميادين الصراع الإقليمي.

​4. خرافة الهروب (RSVP Fallacy)
​هو الوهم القائل بأن الولايات المتحدة تستطيع “الانسحاب” أو الهروب من الصراعات المعقدة والحروب الفوضوية عبر الاكتفاء بالردع البحري والجوي والسيبراني من بعيد.
يرد ماكماستر على هذا الوهم بحقيقة صلبة مفادها أن “الحروب غالباً ما تختارك، بدلاً من أن تختارها أنت.” فالهروب من المعارك البرية المعقدة يفتح الباب أمام القوى المنافسة لفرض سياسة الأمر الواقع (Fait Accompli) وتغيير موازين القوى لصالحها، مما يجعل التراجع الإستراتيجي هزيمة بطيئة.
​ثالثاً: ماذا تعني رؤية ماكماستر للحروب القادمة؟
​لا يطرح ماكماستر هذه الانتقادات تعاطفاً مع خصوم الولايات المتحدة، بل على العكس تماماً؛ فهو يطلق صفارة الإنذار لإنقاذ الغطرسة الإمبراطورية من نفسها. هدفه هو إعادة بناء جيش بري أمريكي متكامل، عالي الجاهزية، وقادر على خوض حروب طويلة الأمد وعالية الكثافة، متجاوزاً خطأ الاعتماد المفرط على الحلول السهلة أو الوكلاء الفاشلين أو التكنولوجيا المفرطة.
​إن هذا التحول الفكري يثبت حقيقة جوهرية: أن الهيمنة العسكرية الكلاسيكية لا يمكن كسرها بالأوهام أو الرهان على تراجع العدو من تلقاء نفسه، بل تتطلب استراتيجيات صمود طويل الأمد، وتلاحماً شعبياً لا يمكن لأي تكنولوجيا متطورة أو قوات برية مهما بلغت قوتها أن تخترقه. إن فهم عقلية العقول الاستراتيجية المنافسة كعقلية ماكماستر يتيح لقوى المقاومة استشراف التكتيكات المقبلة، وإدراك أن المعركة الحقيقية هي معركة إرادات، وأن البقاء للأصلب عوداً والأكثر ارتباطاً بالأرض وعدالة القضية.
د. نبيلة عفيف غصن