سراب التحالفات الطارئة: لماذا لن تنقذ الرياضَ اتفاقياتُ الدفاع المشترك بعيداً عن صنعاء؟

نبيل الجمل

لم يعد أعتى المحللين العسكريين قادرين على مداراة حقيقة المشهد المتشكل في الشرق الأوسط؛ فقد انجلت الغبرة عن مشهدٍ جديد أثبتت فيه القوة الإيرانية وثبات المحور الإقليمي صموداً استراتيجياً أربك الحسابات الأمريكية وزعزع هيبة واشنطن التي عجزت عن حماية أساطيلها وحاملات طائراتها وبوارجها المكتفية اليوم بدفع التهديدات عن نفسها. وفي قلب هذه التطورات، تقف القوات المسلحة اليمنية بكل اقتدار وفرضٍ لقواعد اشتباك جديدة، حيث استطاعت عبر عملياتها النوعية المتصاعدة وتهديداتها المباشرة والصادقة أن تجعل من أعماق المنطقة وممراتها البحرية ساحة مكشوفة تحت سيطرتها، مما أظهر هشاشة أي مظلة دفاعية تقليدية لم تعد قادرة على توفير الحماية الفعلية أو تأمين المصالح الاقتصادية لأحد.

أمام هذه الحقائق الضاغطة على الأرض، أدرك النظام السعودي أن الاعتماد المطلق على الولايات المتحدة بات مجرد رهانٍ على سراب، ليتجه سريعاً نحو محاولة التغطية على حالة المكشوفية الأمنية عبر هندسة تحالفات جديدة جمعت الرياض بتركيا وباكستان. غير أن هذا التحالف الثلاثي الحديث ومحاولات الاستظهار بالدفاع المشترك، لا يعدو كونه هروباً إلى الأمام واستدعاءً لمعالجات شكلية لن تغير من الواقع الميداني شيئاً؛ إذ إن البعد الجغرافي والتعقيدات التكتيكية تنفي عن مثل هذه الاتفاقيات قدرتها على تحصين الجبهة الداخلية أو منع تداعيات أي مواجهة فورية ومباشرة مع مصدر القوة الحقيقي والمحيط المباشر.

إن المعادلة باتت واضحة بلا أدنى غموض: لا حلف الناتو بشرقه، ولا الحصانة الباكستانية، ولا حتى البوارج الأمريكية الغارقة في أزماتها بمقدورها توفير الأمان الحقيقي للسعودية. إن الطريق الوحيد والأقصر لمنع الكارثة واستعادة الاستقرار يمر حصراً عبر استيعاب المتغيرات الميدانية والتعاطي الجاد مع الشروط التي تطرحها صنعاء؛ فالسلام المستدام وتأمين المكتسبات والحدود لن يتحققا بالهروب إلى التكتلات الإقليمية البديلة، بل بتلبية المطالب العادلة وإنهاء العدوان والحصار، فالقرار الصائب والحل الشامل باتا محسومين في ميدان اليمن لا في أروقة التحالفات الطارئة.