في حوارٍ ل”إيسنا” الإيرانية، الناشط الفلسطيني وعضو منتدى شباب سيف القدس ليث عيد، يتحدث عن غزة، ومستقبل المواجهة ولاسیما الأثر المعنوي والسياسي الذي تركه غياب قائد الثورة الإسلامیة سماحة الإمام الشهید السید علي خامنئي على محور المقاومة والقضية الفلسطينية.
الحروب لا تُقاس فقط بحجم الدمار، بل بما تتركه من أسئلة مفتوحة حول المستقبل، والسياسة، ومصير الشعوب، وبينما لا تزال غزة تعيش تداعيات واحدة من أعنف الحروب في تاريخها، تتباين القراءات بشأن نتائج المواجهة، وحدود ما حققته المقاومة، ومستقبل القضية الفلسطينية في ظل التحولات الإقليمية والدولية.
في هذا الحوار الحصري مع وكالة إيسنا، أجراه رسول حسين ابو السبح یتحدث الناشط الفلسطيني وعضو منتدى شباب سيف القدس ليث عيد عن المشهد الفلسطيني من الداخل، ويقدّم قراءة سياسية لمستجدات غزة، ويشرح رؤيته لمفهوم المقاومة، كما يتناول أثر الدعم الإيراني ومحور المقاومة، وانعكاسات استشهاد قائد الثورة الإسلامية على معنويات الفلسطينيين ومستقبل المواجهة.
الاتفاق الأخير بشأن غزة أحدث انقسامًا في قراءته، فهناك من يراه انتصارًا فرضته المقاومة، وآخرون يعتبرونه مجرد هدنة مؤقتة، من داخل الشارع الفلسطيني، كيف تُقرأ هذه اللحظة؟ وهل يشعر الفلسطينيون أنهم انتزعوا إنجازًا سياسيًا أم أنهم أمام جولة جديدة من الصراع؟
بدايةً، لا بد من التمييز إعلاميًا بين ما يُتداول اليوم بوصفه اتفاقًا، وبين حقيقة أننا ما زلنا أمام مسودة ومقترح لم يحظَ حتى الآن بموافقة نهائية من الاحتلال الإسرائيلي، وبالتالي فإن الحديث عن اتفاق مكتمل سابق لأوانه.
أما سياسيًا، فأعتقد أن توصيف ما يجري بأنه انتصار أو هزيمة لا ينسجم مع طبيعة هذه المعركة التاريخية الممتدة مع الاحتلال، فهذه المواجهة ليست حدثًا عابرًا، بل صراع طويل الأمد تتداخل فيه الأبعاد العسكرية والسياسية والإنسانية، ولذلك فإن إصدار الأحكام النهائية في هذه المرحلة يبقى متسرعًا.
من المهم أيضًا التوقف عند بعض البنود الواردة في المسودة، ومنها ما يتعلق بحصر السلاح وتجميعه تحت إشراف حكومة فلسطينية وطنية، وهو بند مرتبط أساسًا بالتزام الاحتلال بتنفيذ المرحلة الأولى، خصوصًا ما يتصل بالوضع الإنساني، وإدخال المساعدات، وتمكين الحكومة الفلسطينية من أداء مهامها، وهذه البنود لا تنسجم مع المشروع الإسرائيلي القائم على استمرار سياسة الإبادة ودفع الفلسطينيين نحو خيار الهجرة أو الاستسلام.
كما أن ربط هذه البنود بمسألة الانسحاب يكشف جوهر المشروع الإسرائيلي، الذي يتمحور حول فرض وقائع جغرافية جديدة، ليس في غزة فحسب، بل أيضًا في الضفة الغربية وجنوب لبنان وسوريا.
ومن هذا المنطلق، أرى أن حركة حماس قامت بخطوة سياسية محسوبة، قد تبدو تراجعًا تكتيكيًا، لكنها في جوهرها مناورة تهدف إلى خدمة البعد الإنساني وإلقاء الكرة في ملعب الاحتلال.
أتفهم مخاوف من ينظر إلى هذه الخطوة باعتبارها تراجعًا، لكنني أعتقد أن هذا الشعور نابع من الحرص على المقاومة والخوف عليها، ومع ذلك، فإن التعامل مع المشهد بعيدًا عن واقعيته قد يقود إلى نتائج أكثر خطورة، خصوصًا أننا لا نزال أمام صورة غير مكتملة يصعب معها إصدار أحكام نهائية.
بعد كل هذه التضحيات والدماء والدمار، هل ما زال الفلسطيني يؤمن بأن المقاومة حققت أهدافها الإستراتيجية؟ أم أن حجم الخسائر دفع جزءًا من الشارع إلى إعادة التفكير في شكل المواجهة ومستقبلها؟
قبل الإجابة، لا بد من تثبيت حقيقة راسخة في الوعي الفلسطيني، وهي أن المقاومة ليست مجرد خيار سياسي، بل حق وطني وأخلاقي وإنساني يكفله القانون لكل شعب واقع تحت الاحتلال.
كما أنها ليست خيارًا يمكن الاستغناء عنه، وإنما ضرورة يفرضها استمرار الاحتلال، وكما قال الشهيد باسل الأعرج، “إياك أن تعتاد على رؤية الاحتلال، أو تشعر بأن حياتك طبيعية بوجوده.”
في ظل الاحتلال لا توجد خيارات كثيرة؛ فطبيعة هذا الاحتلال قائمة على العدوان، وصراعه مع الشعب الفلسطيني صراع وجودي، ولذلك تبقى المقاومة، بأشكالها المختلفة، خيارًا إستراتيجيًا تفرضه الوقائع، ففي الضفة الغربية، على سبيل المثال، قد يكون السكين في ظروف معينة معادلًا للصاروخ، لأن طبيعة المواجهة تختلف من مكان إلى آخر.
في المقابل، تُدار اليوم حرب إعلامية وفكرية تهدف إلى إقناع الفلسطيني والعالم بأن المقاومة أصبحت عبئًا، وأنها السبب في كل ما يجري من تضحيات، بينما يجري تجاهل السبب الحقيقي، وهو وجود الاحتلال نفسه،
كما أن قادة المقاومة ومقاتليها هم أبناء هذا الشعب، دفعوا أثمانًا باهظة كما دفعها جميع الفلسطينيين، وبالتالي فإن تحميلهم مسؤولية الجرائم الإسرائيلية يمثل جزءًا من الحرب النفسية التي تسعى إلى تبرئة الاحتلال من مسؤولياته التاريخية.
ومن الخطأ اختزال القضية الفلسطينية في أحداث السابع من أكتوبر، وتجاهل عقود من الاستيطان، وتهويد القدس، والاعتداء على المسجد الأقصى، وهدم المنازل، وقضية الأسرى، وهي ملفات سبقت هذه الحرب بعقود طويلة.
لهذا أؤكد أن التضحيات سببها الاحتلال، وأن استمرار هذا الاحتلال بهذه الوحشية يجعل المقاومة الخيار الوحيد القادر على ردعه، خصوصًا بعد فشل جميع مشاريع التسوية، في حين أثبتت المقاومة قدرتها على تحرير الأرض، وحماية الشعب، وانتزاع الأسرى من السجون.
كان لمواقف الجمهورية الإسلامية وقيادتها حضور بارز في خطاب المقاومة، كيف استقبل الشارع الفلسطيني خبر استشهاد قائد الثورة الإسلامية، وما الأثر المعنوي والسياسي الذي تركه غيابه على محور المقاومة والقضية الفلسطينية؟
أعتقد أن قائد الثورة الإسلامية أصبح، بعد استشهاده، رمزًا جامعًا للمقاومة ولأحرار العالم، لما مثّله من خطاب وحدوي يتجاوز الحدود، سواء على المستوى الإسلامي أو الإنساني.
وقد رسّخ، من خلال دعمه المستمر للمقاومة الفلسطينية، معادلة واضحة تقوم على دعم القضية الفلسطينية دون اشتراطات أو مقابل سياسي، وجعل من فلسطين البوصلة الجامعة لكل الأحرار في مواجهة المشروع الصهيوني.
لقد شكّل حضوره مصدر إلهام للمقاومة، سواء من خلال مواقفه السياسية أو الدعم الذي قدمه، وصولًا إلى استشهاده دفاعًا عن هذا المشروع.
أما على المستوى المعنوي، فإن ثقافة المقاومة لا تنظر إلى القادة باعتبارهم مجرد مسؤولين إداريين، بل باعتبارهم نماذج يُقتدى بها، ولذلك فإن استشهاد القادة، رغم ما يحمله من ألم، يتحول إلى دافع لمواصلة الطريق.
وتاريخ المقاومة الفلسطينية يشهد بأنها فقدت معظم قادتها شهداء، لكنها ازدادت قوة وصلابة، واستمرت في مواجهة خصومها بإرادة أكبر، ولذلك فإن استشهاد القادة يؤكد للمقاومين أن طريق التحرير يحتاج إلى المزيد من التضحية والصبر.
أما على مستوى الشارع، فمن الطبيعي أن يشعر الناس بالحزن لفقدان قائد يحظى بمكانة كبيرة لديهم، لأن الشعوب غالبًا ما تتعلق بالرموز التي ترى فيها سندًا لقضاياها، وهذا التأثير العاطفي هو تحديدًا ما يسعى الاحتلال إلى استهدافه عبر سياسة الاغتيالات، بهدف كسر الروح المعنوية.
لكنني أؤمن بأن الدماء التي سقطت على طريق القدس هي امتداد لطريق الحرية، وأن القادة الشهداء يتركون خلفهم مدرسة أكثر صلابة، وإرادة أكثر رسوخًا في مواصلة مشروع المقاومة.
اخيراً… تظل القضية الفلسطينية، رغم تعقيداتها وتشابك ساحاتها، محورًا ثابتًا في معادلات المنطقة، فيما تبقى المقاومة، بالنسبة لشريحة واسعة من الفلسطينيين، خيارًا مرتبطًا باستمرار الاحتلال أكثر من ارتباطه بالظروف السياسية المتغيرة.
وفي هذا الحوار مع وكالة إيسنا، قدّم الناشط الفلسطيني ليث عيد قراءة تعكس وجهة نظره إزاء المرحلة الراهنة، معتبرًا أن ما يجري في غزة لا يمكن اختزاله في مفاهيم النصر أو الهزيمة، بل هو فصل من صراع تاريخي طويل، ستظل نتائجه مرهونة بتطورات الميدان والسياسة معًا.
المصدر: إيسنا
