لم تعد اعتداءات جيش الاحتلال الإسرائيلي والمستوطنين في الضفة الغربية أحداثًا متفرقة أو مرتبطة بظروف أمنية عابرة، بل باتت، وفق مؤسسات فلسطينية رسمية وحقوقية، تعكس سياسة متكاملة تستهدف تقويض قدرة الفلسطينيين على الصمود في أرضهم. وتتوزع هذه السياسة على أدوات متعددة تشمل القتل والاعتقال، وهدم المنازل، والاستيلاء على الأراضي، وتوسيع الاستيطان، وصولًا إلى استهداف مصادر الرزق والمقدسات، بما يخلق واقعًا ضاغطًا يجعل الحياة اليومية أكثر قسوة، ويدفع الفلسطينيين تدريجيًا إلى الرحيل القسري عن مناطقهم. وتظهر تقارير فلسطينية صادرة عن هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، ومحافظة القدس، ووزارة الأوقاف والشؤون الدينية، ومركز معلومات فلسطين “معطى”، أن شهر يوليو/تموز الماضي شهد تصعيدًا واسعًا في الانتهاكات الإسرائيلية، سواء من حيث عددها أو طبيعتها أو نطاقها الجغرافي. غير مسبوق وتشير هذه المعطيات إلى أن الاعتداءات لم تعد تقتصر على مواجهات ميدانية أو حملات عسكرية، وإنما أصبحت تمتد إلى مختلف جوانب الحياة الفلسطينية، في ظل تصاعد غير مسبوق لاعتداءات المستوطنين التي تنفذ، في كثير من الحالات، تحت حماية مباشرة من جيش الاحتلال. ولا تقتصر سياسة الاحتلال على تنفيذ عمليات عسكرية أو السماح للمستوطنين بشن هجماتهم، بل تقوم على توزيع واضح للأدوار بين الجيش والجماعات الاستيطانية والمؤسسات الإدارية الإسرائيلية، بحيث تؤدي كل جهة دورًا محددًا يخدم الهدف ذاته. فالجيش يؤمن الحماية للمستوطنين، بينما تفرض السلطات أوامر المصادرة والهدم والتوسع الاستيطاني، في حين تنفذ الجماعات الاستيطانية اعتداءات ميدانية تستهدف السكان وممتلكاتهم، لتشكل هذه الأدوات مجتمعة منظومة واحدة تعمل على تقويض الوجود الفلسطيني في الضفة الغربية. ولا يعتمد الاحتلال في تنفيذ هذه السياسة على وسيلة واحدة، بل يوظف منظومة متكاملة من الأدوات التي تستهدف مختلف مقومات الصمود الفلسطيني. فمن جهة، يشن الجيش عمليات الاقتحام والاعتقال ويوفر الحماية للمستوطنين، ومن جهة أخرى تتولى السلطات إصدار أوامر الهدم والمصادرة والتوسع الاستيطاني، فيما تنفذ الجماعات الاستيطانية اعتداءات تطال السكان وأراضيهم وممتلكاتهم. وتمتد هذه السياسة إلى استهداف مصادر الرزق والمقدسات وحرية الحركة، بحيث تعمل كل أداة إلى جانب الأخرى لإضعاف قدرة الفلسطينيين على البقاء في أرضهم وتهيئة بيئة ضاغطة تدفعهم إلى الرحيل. قدرة الفلسطينيين ووفق هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، نفذت سلطات الاحتلال ومستوطنوه خلال شهر يوليو/تموز وحده 2256 اعتداء بحق المواطنين الفلسطينيين، بينها 798 اعتداءً نفذها مستوطنون، فيما وفر جيش الاحتلال الحماية والإسناد لهذه الاعتداءات، وهو ما اعتبرته الهيئة دليلًا على التكامل بين القوة العسكرية والعنف الاستيطاني، باعتبارهما أداتين متلازمتين في تنفيذ السياسة الإسرائيلية على الأرض. ويرى رئيس الهيئة، مؤيد شعبان، أن خطورة هذه الاعتداءات لا تكمن في كثرتها فقط، وإنما في طبيعتها المتكاملة، إذ تستهدف مختلف مقومات الحياة الفلسطينية في وقت واحد، من أمن المواطن الشخصي، إلى حقه في السكن والعمل، وصولًا إلى مصدر رزقه وأرضه الزراعية، بما يجعل البقاء على الأرض أكثر صعوبة عامًا بعد آخر. ويبرز استهداف الأراضي الزراعية باعتباره أحد أكثر أدوات الاحتلال تأثيرًا في قدرة الفلسطينيين على الصمود، إذ لا تمثل الأرض بالنسبة لآلاف العائلات مجرد مصدر للدخل، وإنما تشكل أساس ارتباطها بمناطقها وقراها، ووسيلة رئيسية للبقاء فيها. لذلك، فإن أي اعتداء عليها لا يقتصر على الخسائر الاقتصادية، بل يمتد إلى تقويض الوجود الفلسطيني نفسه، من خلال حرمان المزارعين من استثمار أراضيهم أو الوصول إليها. وخلال شهر واحد فقط، اقتلع المستوطنون أو أتلفوا أو سمموا 5027 شجرة، إلى جانب تنفيذ عمليات تجريف واسعة، ومنع أصحاب الأراضي من الوصول إليها، في وقت حاولوا فيه إقامة 29 بؤرة استيطانية جديدة، معظمها ذات طابع زراعي ورعوي، بما يسمح بفرض السيطرة التدريجية على مساحات واسعة من الأراضي الفلسطينية وتحويلها إلى امتداد للمستوطنات القائمة. السيطرة على الأراضي وبالتوازي مع ذلك، استولت سلطات الاحتلال على 831 دونمًا من أراضي الفلسطينيين عبر 33 أمرًا عسكريًا، في وقت واصلت فيه شق الطرق العسكرية والاستيطانية التي تسهل ربط المستوطنات ببعضها البعض، وتفرض مزيدًا من السيطرة على الأراضي الفلسطينية، الأمر الذي يؤدي إلى تقطيع أوصال القرى والبلدات، ويحد من قدرة الفلسطينيين على استغلال أراضيهم أو التوسع العمراني فيها. ولا تتوقف الضغوط الإسرائيلية عند استهداف الأراضي الزراعية، بل تمتد إلى المنازل والمنشآت الفلسطينية، في محاولة لتضييق الخناق على السكان داخل تجمعاتهم السكنية. فعمليات الهدم لا تحرم الفلسطينيين من المأوى أو مصدر الرزق فحسب، وإنما تخلق حالة دائمة من عدم الاستقرار، وتدفع كثيرًا من العائلات إلى العيش تحت تهديد فقدان منازلها في أي وقت. وفي هذا السياق، نفذت سلطات الاحتلال خلال يوليو/تموز 80 عملية هدم طالت 165 منشأة، بينها 80 منزلًا مأهولًا، و63 منشأة زراعية، و11 منشأة يعتمد عليها المواطنون كمصدر رئيسي للرزق، وهو ما يعكس اتساع نطاق الاستهداف ليشمل مختلف مقومات الحياة الفلسطينية، وليس المباني السكنية وحدها.

المصدر : وكالة شهاب