إنَّ المشهد الذي يتكشف في جنوب سورية، وتحديدًا في قرية عابدين بمحافظة درعا، ليس مجرد حادثة عابرة في سجل التعديات الصهيونية، بل هو الفضيحة الكبرى التي تعري هشاشة المفهوم التقليدي لـ “الدولة” في ظل غياب الإرادة الوطنية الحقيقية. إنّ ما يُسمى بـ “رد الفعل” السوري الرسمي، الذي جاء متأخرًا ومكبلًا بقيود الخوف والتبعية، لا يعكس سوى حالة من العجز المؤسسي الذي تحول إلى نهج سياسي مزمن.
​1. الحقيقة الصادمة: “النظام” كحارسٍ للحدود
​إن هذا التهاون ليس مفاجئاً لمن يقرأ التاريخ بعمق؛ فما يُسمونه “عجزاً” هو في الحقيقة أداء وظيفي متقن. إن السلطة التي تحكم سورية لم تعد معنية بالسيادة الوطنية بمعناها القومي، بل أصبحت وظيفتها الأساسية، التي وجدت من أجلها وثبتت أركانها بناءً عليها، هي ضمان أمن حدود الكيان الصهيوني. إن صمت النظام عن التوغلات، واكتفاءه ببيانات الاستنكار التي لا تتجاوز حدود الورق، هو التزام صامت بـ “عقد الحماية” الذي يربط النظام ببقائه. إن “ضبط النفس” الذي يمارسه النظام أمام كل خرق هو في جوهره تنفيذٌ لواجب الحارس الذي لا يجرؤ على إزعاج “سيده” في الجوار؛ فكيف لـ “خادم” أن يواجه “سيده”؟
​2. استقالة السيادة: بين التآكل المؤسساتي وفراغ الفلسفة
​إن حالة “الاستقالة من السيادة” التي تعيشها المؤسسات ليست مجرد نتاج تآكل إداري فقط، بل هي انعكاس لانحراف الدور. فالمؤسسات التي أُفرغت من جوهرها العقائدي وحُوّلت إلى أجهزة أمنية وظيفتها حماية السلطة لا حماية الأرض، لا يمكن أن تنتج سيادة. وحين تغيب الفلسفة الوطنية الجامعة التي تربط الفرد بالأرض وبالمصير القومي المشترك، تتحول الدولة إلى هيكل أجوف؛ إن السيادة هنا ليست هدفاً، بل هي عائق أمام “الوظيفة الأمنية” للنظام. إننا أمام أزمة إرادة تعود جذورها إلى أن السلطة الجولانية، في جوهر بنيتها، لا تملك ترف المواجهة لأنها مقيدة بالتزامات وجودية مع من يحتل الأرض.
​3. من “المراقب” إلى “الفاعل”: الضرورة الحتمية
​إنَّ هذه الحالة من “السيادة المتوهمة” تجعل من الدولة مجرد شاهد زور على تفتت سيادتها. فعندما تغيب السيادة عن القرار، وتتحول القوى الإقليمية إلى فاعلين أساسيين بينما تقف المؤسسات الوطنية متفرجة، فإننا أمام انهيار قيمي وأخلاقي للمشروع الوطني بأسره. إنَّ الخوف من الرد، والخشية من ضربات انتقامية، لم تكن يومًا مبررًا لترك الأرض نهبًا للغزاة؛ بل على العكس، إنّ سياسة الانبطاح والمهادنة هي التي تفتح الأبواب على مصاريعها لمزيد من الاستباحة.
​إنَّ التحرر القومي لا يُبنى على المناشدات، والسيادة لا تُستعاد بالتمني. إنَّ جوهر الصراع في “سورية الطبيعية” كلها وليس في سوريا الشام فقط يفرض استراتيجية تتجاوز هذه البيانات المسرحية؛ استراتيجية تقوم على صياغة مشروع وطني متماسك يرفض التبعية، ويستند إلى قوة الحق وإرادة الشعب، لا إلى توازنات القوى الهشة التي تحاول السلطة التستر خلفها. إنَّ التاريخ لا يرحم الضعفاء، والجغرافيا لا تحمي من لا يحميها. إنَّ التغني بالسيادة في الإعلام بينما تُنتهك الأرض في الميدان هو تناقض يضعنا أمام الحقيقة المرة: نحن بحاجة إلى ثورة حقيقية في المفاهيم، تنقلنا من مربع “المُراقب” المستسلم، إلى مربع “الفاعل” الذي يمتلك قراره، ويؤمن بذاته، ويدرك أن السيادة تُنتزع بالدم والموقف الصلب، لا بالبيانات التي لا تسمن ولا تغني من جوع. 
د. نبيلة عفيف غصن