عيدَ الأضحى في بلادنا ليس مجردَ ذكرى تتكررُ في رزنامةِ الجلادين والموظفين، بل هو “حقيقةُ الدم” التي لا تقبلُ التزييف؛ فبينما يذبحُ الناسُ أضاحيهم في البيوتِ طاعةً وامتثالاً، كان أبطالنا يذبحونَ عجزهم، ويقدمون أجسادهم أضاحيَ طاهرةً على مذبحِ الدفاعِ عن كرامةِ وطنٍ تنهشهُ أنيابُ التبعية، فكلُّ شهيدٍ ارتقى هو “أضحيتنا” التي تقبلها الأرضُ وترفضها قذارةُ السياسة، وكلُّ جسدٍ مزقتهُ نيرانُ العدوِّ هو “قربانٌ” حقيقيٌّ نرفعُ بهِ رأسَ الأمةِ حينَ يطأطئُ الساسةُ رؤوسهم أمامَ السفارات، وما الذبحُ إلا رمزٌ للفداء، ونحنُ في لبنانَ جعلنا من أبنائنا رموزاً للفداءِ الأسمى، فمن يذبحُ “الكبش” بيدهِ يتقربُ إلى الله، ومن يذبحُ “الروح” فداءً للأرض يتقربُ إلى الخلود، هؤلاء الشهداء هم الأضاحي التي لم تخرج من “الحظائر” بل خرجت من “الكرامة”، وهم الذين أحالوا العيدَ من طقسٍ اجتماعيٍ باردٍ إلى لحظةِ اصطفاءٍ وطنيٍّ مقدسة، فبأيِّ حقٍّ نذبحُ نحنُ الأنعامَ وننسى أنَّ أشلاءَ إخوتنا في الجنوبِ هي التي كفَّرت عن خطايانا الوطنيةِ وجعلتنا نستحقُ البقاء؟ إنَّ ذبحَ الأضحيةِ اليومَ هو تذكيرٌ أبديٌّ بأنَّ الحريةَ لا توهبُ بل تُشترى بدمِ القربان، وأنَّ كلَّ قطرةِ دمٍ سالت في “دير قانون” أو “مشغرة” هي صلاةٌ مسكوبةٌ على ترابِ الوطن لتطهيرهِ من رجسِ الوكلاءِ والمستعمرين، لذا فإنَّ عيدنا ليس في الحلوى والزيارات، بل في حضرةِ هؤلاءِ الأطهار الذين لم ينتظروا صكوكاً ولا مناصب، بل قدموا أنفسهم قرابينَ لا ترد، ليعيدوا تعريفَ معنى العيدِ بوصفهِ يوماً للانتصارِ على الموتِ بالشهادة، وللانتصارِ على الخنوعِ بالدم، فكلُّ شهيدٍ هو عيدٌ مؤجلٌ للوطن، وكلُّ أضحيةٍ تقدمُها أمهاتنا من فلذاتِ أكبادهنَّ هي الضمانةُ الوحيدةُ بأنَّ هذه الأرضَ لن تضيع، وأنَّ العيدَ الحقيقيَّ سيأتي حينَ تكتملُ أضحيةُ التحريرِ بخروجِ آخرِ ذئبٍ من حظيرتنا، وحينها فقط، ستصبحُ دماءُ شهدائنا هي البخورَ الذي يملأُ فضاءاتِ عيدنا العظيم.
د. نبيلة عفيف غصن
