في خطوة تكشف حجم الهوان الذي وصلت إليه السلطة الفلسطينية، أعلن جيش الاحتلال إلغاء آلية إبلاغ أجهزة السلطة المسبق باقتحامات القرى والمدن الفلسطينية في الضفة الغربية المحتلة.
هذا القرار، الذي يبدو إجرائياً في ظاهره، يحمل في باطنه دلالة سياسية وأمنية عميقة، فهو ينسف عملياً آخر ما تبقى من مبررات وجود السلطة كشريك أمني، ويضعها أمام حقيقة أنها لم تكن يوماً شريكاً، بل أداة وظيفية يستخدمها الاحتلال متى شاء، ويرميها متى انتهت حاجته إليها.
لعقود طويلة، روّجت السلطة الفلسطينية وقيادتها لفكرة “سد الذرائع”، بمعنى أن التنسيق الأمني مع الاحتلال، وتسليم المطلوبين، وملاحقة المقاومة، ومصادرة السلاح، كل ذلك من أجل تجنيب الفلسطينيين الاقتحامات والقتل والدمار، وحماية ما تبقى من مؤسسات السلطة ومناطقها.
لكن الاحتلال، بإلغائه الإبلاغ المسبق، أسقط هذه الذريعة من أساسها، وأعلن عملياً أنه لم يعد يرى أي قيمة حتى لإخطار شريكه الأمني، وأنه سيدخل أي قرية أو مدينة أو مخيم متى أراد، دون إذن، ودون تنسيق، ودون حتى إشعار شكلي.
والأخطر من ذلك، أن هذا القرار يأتي في ظل استمرار السلطة في التمسك بالتنسيق الأمني من طرف واحد، رغم أن الاحتلال أعلن رسمياً أنه لن يحترم حتى شكلياته. فبينما تواصل أجهزة السلطة ملاحقة المقاومين واعتقالهم وتسليم بعضهم، واعتقال النشطاء السياسيين، ومنع أي تحرك مقاوم في الضفة، يقابلها الاحتلال بالاقتحامات اليومية، واغتيال المقاومين أمام مراكز السلطة، واعتقال عناصر من أجهزتها نفسها، دون أن يحرك ذلك ساكناً في رام الله.
ويرى مراقبون أن ما يجري هو نتيجة طبيعية لسياسة الارتماء الكامل للسلطة في حضن الاحتلال سياسياً وأمنياً.
فالسلطة، التي ربطت وجودها واستمرارها بالدعم الأمريكي والإسرائيلي، وبالتنسيق الأمني كشرط لبقائها، تحولت مع الوقت من سلطة وطنية يفترض أنها تمثل مشروع التحرر، إلى سلطة وظيفتها الأساسية حماية أمن الاحتلال، وضبط الضفة، ومنع اندلاع أي مقاومة حقيقية، مقابل بقاء امتيازات قياداتها وأجهزتها.
سياسياً، ارتمت السلطة في حضن الاحتلال عبر التمسك بأوسلو رغم موته، ورفض أي مراجعة جدية للمسار السياسي، والتمسك بمفاوضات عبثية لا تنتج سوى مزيد من الاستيطان والتهويد، والرهان على الإدارة الأمريكية التي تدعم الاحتلال بشكل مطلق، والانخراط في مشاريع “السلام الاقتصادي” و”التهدئة” التي تهدف إلى تحويل القضية من قضية تحرر وطني إلى قضية خدمات ومعابر ورواتب.
وأمنياً، بلغ الارتماء ذروته حين تحولت أجهزة السلطة إلى ذراع مساند لجيش الاحتلال في الضفة، تقوم بدور “المقاول الأمني” الذي يلاحق المقاومة، ويجمع المعلومات، وينسق مع الشاباك والجيش، ويمنع وصول السلاح للمقاومين، بينما يمارس الاحتلال القتل والاعتقال والتدمير بحرية مطلقة.
واليوم، وبعد أن ألغى الاحتلال حتى إخطار السلطة المسبق، بات واضحاً أن السلطة لم تعد حتى مقاولاً محترماً لدى الاحتلال، بل مجرد تابع لا يستحق حتى إشعاراً. الاحتلال لا يرى في رام الله شريكاً يستحق الاحترام، بل أداة أمنية فقدت قيمتها، بعد أن نجح في إخضاع الضفة عبر القوة المباشرة، ولم يعد بحاجة إلى وسيط.
إن هذا القرار يجب أن يكون لحظة مواجهة مع الحقيقة، لا أن يمر كخبر عابر. فالسلطة مطالبة اليوم، وأكثر من أي وقت مضى، بإعلان وقف فوري وشامل للتنسيق الأمني، ورفع يدها عن المقاومة، وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، والعودة إلى حضن الشعب بدلاً من حضن الاحتلال، قبل أن تجد نفسها خارج التاريخ والجغرافيا معاً.
فمن يرتمي في حضن عدوه، سيكتشف في النهاية أن العدو لا يحضن، بل يخنق.
المصدر/ الشاهد
