حين يُغتال الجسد وتبدأ معركة الوعي… هل تدسّ الجزيرة السمّ في العسل؟
فاتنة علي، لبنان/ سورية الطبيعية
رجلٌ مات واقفاً في وجه عدوّه الجبان، الذي قتله بمسيّرة، في مواجهة كيان كامل، مدعوم من معظم دول العالم، ويمتلك أحدث الأسلحة والتقنيات والدروع. ومع ذلك، لم يجد هذا الكيان في مواجهته رجلاً يتقدّم ليشتبك معه وجهاً لوجه، حتى كانت صورة النهاية جسداً منهكاً، وروحاً مقاومة عزيزة تأبى الرحيل، ويداً مرتجفة تمسك بعصا، تستحضر في دلالتها صورة عصا موسى عليه السلام، لا من باب القياس، بل من باب استحضار الرمز والمعنى.
رحل يحيى السنوار مجاهداً، قائداً، مشتبكاً، ليُكمل لوحة أسطورية تختصر حكاية بطولة حقيقية، لا تحتاج إلى تزييف أو إخراج.
لكن، ما الذي تريده قناة الجزيرة من إعادة بثّ مقطع يظهر فيه السنوار وهو يجري اتصالاً بمحمد الضيف بعد إعلان وقف إطلاق النار في معركة سيف القدس، التي سبقت عملية طوفان الأقصى في السابع من أكتوبر؟ لماذا الآن؟ وما الهدف من اختيار هذا التوقيت تحديداً؟
لا أعتقد أن ما قامت به الجزيرة بريء أو مجرد استعادة أرشيفية لمشهد قديم. أراه محاولة جديدة لغزو الوعي العربي، عبر تقديم صورة مجتزأة، وتوظيف المشاعر بطريقة قد تنقلب على حقيقة الشخصيات التي يُفترض أن المشاهد يتعرّف إليها.
القائد الشجاع، ها هو ضعيف ويبكي!
لكن من كان عاقلاً ومؤمناً، ومن ينظر إلى الإنسان قبل أن ينظر إلى صورة القائد، سيدرك أن هذه المشاعر طبيعية، بل إنسانية تماماً، ولها أسبابها ودلالاتها.
أولاً، نحن لسنا هواة حروب، لكنها فُرضت علينا، وبما أنها فُرضت، فنحن لها. وثانياً، من الطبيعي أن تكون هذه المشاعر حاضرة بين المقاومين؛ فنحن نتحدث عن رابط إنساني عميق قد لا يفهمه كثيرون، رابط ممزوج بالبساطة والصدق والرحمة والتضحية. أليس ربّنا من قال: «أشداء على الكفار رحماء بينهم»؟
ثم إن البكاء لا يكون دائماً تعبيراً عن الحزن أو الضعف؛ فمن الطبيعي أن تبكي عند الفرح أيضاً. نعم، كان خبراً مفرحاً، لأن وقف إطلاق النار والقتل والدمار يعني إنقاذ ما تبقى من الأبرياء، وإتاحة فرصة لالتقاط الأنفاس وسط بحر من الدماء والخراب.
وهذا تحديداً ما قد لا يفهمه من اعتاد سفك الدماء، أو صفق لسفكها، أو حتى ساهم في إدخال سرديات العدو إلى كل بيت عربي، على امتداد هذه الجغرافيا، تحت عنوان الرأي والرأي الآخر.
بعض القنوات لا يحتاج إلى تسميتها، فهي معروفة. لكن الأخطر من تلك التي تتبنى خطاباً واضحاً، هي القنوات الملتبسة، التي تتقن اللعب على الحبلين، وتعرف كيف توظّف العاطفة واللاوعي، وكيف تدسّ السمّ في العسل. هذه هي الأخطر في معركة الشعوب مع أعدائها، وفي محاولات تشكيل وعيها وتوجيه مواقفها.
فماذا تريد الجزيرة تحديداً؟ وهل هي بريئة؟
ليست هذه المرة الأولى التي تثير فيها تغطياتها علامات استفهام. تغطية مخيفة لأحداث سجن صيدنايا وما أُثير حوله من روايات ومشاهد، في مقابل التغافل عن تفاصيل بالغة الخطورة تجري داخل سجون الاحتلال. ثم مقارنات وضيعة على لسان إحدى مذيعاتها، تشبّه سوريا بغزة، وكأن الجنوب اللبناني ليس غزة أخرى في حجم الألم والدمار والاعتداءات، وكأن الدماء والجوع في السودان لا يستحقان الذكر، أو كأن الصومال الذي اقتُطعت منه شقفة من أرضه لا يمتّ إلى هذه العروبة بصلة!
أما اليمن، فيتحول إلى ساحة أخرى للتحريض، تارة وكأنه العدو الأول و الخطر الحقيقي على الدين والمقدسات ، وأخرى شقيق عربي يفتحر به عندما تسقط صواريخه على أراضينا المحتلة مستهدفة كياناً دخيلاً مجرماً (هذه الصورة الحقيقية أمام الأولى الكاذبة ) وهكذا، نكون أمام مشهد تتقاطع فيه المصالح والسرديات، وتُقطف فيه ثمار التحريض من جهة، ثم تُستثمر العاطفة العربية من جهة أخرى.
فهل يترك المشاهد العربي نفسه أسيراً لما يرى؟ وهل ينتبه إلى خطورة هذا الفخ، وإلى الأهداف الكامنة خلف هذه التغطيات الانتقائية؟ وإلى متى ستبقى بعض الأصوات العربية تكرر الأخطاء ذاتها، وتبيع مواقفها لقاء المال؟
كيف يمكن أن نضع رجلاً شريفاً وصاحب رأي في مواجهة رجل مأجور، ليتنافسا ويتناقشا ويتحاججا، فيما يعرف كل منهما جيداً خلفية الآخر وموقعه؟ ثم تأتي القناة، في لحظة يفترض أنها لحظة كشف للحقيقة، لتساوي بين الشخصيتين، وتمنحهما المساحة ذاتها، وكأن المصداقية تُقاس بعدد الدقائق، وكأن المال هو الميزان الوحيد، والسعر واحد!
لكن، في نهاية المطاف، لا يمكن لأي بذرة أن تنبت وتكبر وتثمر ما لم تجد أرضاً خصبة تحتضنها. وهنا لا بد أن نسأل أنفسنا: من الذي يمنح هذه السرديات جمهورها؟ ومن الذي يستهلكها، ويعيد تداولها، ويساهم في انتشارها؟
لعل المقاطعة تكون أحد الحلول، ولعل من الأجدر أن نطرح سؤالاً أكثر إلحاحاً: لو أن نصف الأموال التي أُنفقت على استديوهات شبكة قنوات الجزيرة، وضيوفها، ومعداتها، وإنتاجها الإعلامي، وُجّه إلى معالجة مصائب الشعوب العربية وجوعها، أو إلى تحسين ظروف الشعوب التي تعيش تحت الاحتلال، ودعم الدول المنكوبة والخاضعة له، لكان ذلك أضعف الإيمان، إن لم نقل إن الأولى أن يكون هناك دعم حقيقي يتجاوز المساعدات الإنسانية إلى إسناد الشعوب في مواجهة ما تتعرض له من عدوان.
فهل كان يمكن أن يكون حال الأمة على ما هو عليه اليوم؟
ولماذا تصرّ بعض دول الخليج على تمويل منصات تمنح سرديات أعداء الأمة منبراً ومساحة، ثم تعود لتقدّم القليل باليد الأخرى، متنافخةً شرفاً بما تقدمه من مساعدات؟
إن أخطر ما يمكن أن تواجهه الأمة ليس فقط امتلاك العدو للسلاح، بل امتلاكه القدرة على اختراق وعيها، وإعادة تشكيل صورتها عن نفسها وعن أعدائها، فيما تتكفل بعض المنابر العربية بتسويق ذلك تحت عناوين المهنية والموضوعية وحرية الرأي.
لسنا أمام خلاف على قناة أو مذيع أو ضيف، بل أمام سؤال أكبر يتعلق بمن يصنع وعينا، ومن يوجّه عاطفتنا، ومن يملك حق رسم صورة المقاوم والعدو والضحية في أذهاننا.
فالمعركة لا تنتهي عند حدود الأرض، ولا تتوقف عند إسكات صوت البندقية؛ إنها تمتد إلى العقول، وإلى اللغة والصورة والخبر، وإلى قدرتنا على التمييز بين من ينقل الحقيقة ومن يعيد إنتاج رواية العدو بأدوات عربية.
وحين تصبح المنابر جزءاً من المعركة ضد وعي الشعوب، لا يعود الصمت حياداً، ولا تكون المشاهدة موقفاً بريئاً. عندها، تصبح المقاطعة موقفاً، والوعي مقاومة، ورفض التضليل واجباً لا يقل أهمية عن رفض العدوان.
«حين يعجز العدو عن هزيمة الوعي في الميدان، يبحث عمّن يهزمه في العقول؛ وحين تصبح الرواية سلاحاً، يصبح الوعي خط الدفاع الأخير».
