في واحدة من أعمق التحليلات الجيوسياسية وأكثرها شمولًا ضمن برنامج بيبي كافيه، رسم الصحفي والمراسل الدولي بيبي إسكوبار مقارنة كاشفة بين جبهات المواجهة في الجنوب العالمي: المقاومة المناهضة للاستعمار التي يخوضها الشعب اليمني في قلب غرب آسيا، والمعركة الحاسمة التي تخوضها البرازيل في الشوارع وصناديق الاقتراع من أجل الحفاظ على سيادتها.

بدأ إسكوبار بتفكيك المصطلحات الإمبريالية ذاتها، رافضًا التسمية المتمركزة حول أوروبا، «الشرق الأوسط»، ومستعيدًا جذور الاتفاقيات الاستعمارية الفرنسية البريطانية، مثل اتفاقية سايكس بيكو التي أعقبت سقوط الإمبراطورية العثمانية. ومن هذه البنية الإمبراطورية التي فرضتها لندن وباريس، نشأ الركنان اللذان يستند إليهما استمرار الهيمنة الغربية في المنطقة حتى اليوم: دولة إسرائيل والملكية التي تحكمها أسرة آل سعود في المملكة العربية السعودية.

في مقابل هذه الكيانات السياسية المصطنعة، سلّط الضوء على اليمن باعتباره إحدى الحضارات المؤسّسة للتاريخ العربي، وشعبه العريق يتحدى اليوم، تحت قيادة حركة أ.. الله، الكتلة العسكرية التي تقودها الولايات المتحدة ووكلاؤها في منطقة الخليج.

شدّد إسكوبار على أنّ العدوان السعودي، الذي يموّله ويسلّحه المجمع الصناعي العسكري الغربي، فشل فشلًا ذريعًا في إخضاع الشعب اليمني. بل إن هذا العدوان أفضى إلى رد عسكري وتكنولوجي ذي أبعاد استراتيجية لم يكن مخططو البنتاغون والقيادة العسكرية الأمريكية في الشرق الأوسط (سنتكوم) يتصورونها.

ومن خلال عمليات دقيقة باستخدام الطائرات المسيّرة والصواريخ الباليستية عالية الدقة، استهدفت المراكز الحيوية للاقتصاد السعودي، بما فيها منشآت تابعة لشركة أرامكو النفطية الحكومية وخطوط الأنابيب ومجمعات المطارات في الرياض، فرضت اليمن مبدأ الردع المتكافئ:

«وضع اليمنيون معادلة واضحة وضوح الشمس أمام ملوك الخليج ورعاتهم في واشنطن: مطار مقابل مطار، ومصفاة مقابل مصفاة. فمن يفرض الحصار والتجويع والقصف على شعب ذي سيادة، لا يمكنه أن يتوقع بقاء مراكزه النفطية بمنأى عن الاستهداف».

وأكّد أنّ هذا الردّ الانتقامي يضرب العمود الفقري للمنظومة النقدية الغربية بأكملها، والمتمثل في استقرار نظام البترودولار. ومن خلال كشف هشاشة القدرات العسكرية السعودية، وعجز المملكة عن حماية نفسها رغم تشغيلها أنظمة دفاع جوي أميركية تبلغ تكلفتها مليارات الدولارات، تسهم المقاومة اليمنية في تسريع تآكل مسارات الخضوع القديمة للإمبراطورية.

عدم الاستقرار الداخلي الذي يواجهه ولي العهد السعودي محمد بن سلمان (MBS). ويرى إسكوبار أن محاولات الرياض استمالة قوى إقليمية مثل تركيا وباكستان، مستخدمةً الأماكن المقدّسة في مكّة والمدينة درعًا سياسيًا ودبلوماسيًا، تكشف عن يأس نظام محاصر بالانقسامات داخل القصر، واستياء القبائل التي عانت التهميش تاريخيًا، وفشل مغامراته العسكرية.

وعن محور المقاومة، يرى إسكوبار أنه استجابة تاريخية راسخة في مواجهة قرون من الإذلال الاستعماري والقمع العسكري ونهب الثروات الطاقوية.

ولا يعتبر المواجهة التي تشهدها غرب آسيا حدثًا معزولًا، بل تجلٍّ حاد للاستقطاب الطبقي نفسه وللصراع بين مشاريع السلطة التي تشهدها أميركا اللاتينية، والبرازيل على وجه الخصوص. إذ تخوض البرازيل معركتها الخاصة ضدّ نخبة ريعيّة وماليّة لا تخفي استعدادها للتفريط بمقدرات البلاد. وتمثّل هذه النّخبة قوى اليمين المتطرّف، وتتجسّد في شخصيات تسعى إلى التفريط بأصول الدولة وبيعها بأبخس الأثمان، تلبيةً لإملاءات واشنطن و«وول ستريت».

«إن ما هو على المحكّ في اليمن وما هو على المحك في البرازيل هو، على وجه الدقة، الشيء نفسه: حق الشعب في تقرير مصيره بنفسه. فمن جهة، هناك القوى التي تدافع عن التنمية الوطنية والسيادة في مجال الطاقة والجامعة العامة وكرامة الطبقات الشعبية؛ ومن جهة أخرى، هناك الأوليغارشيات القديمة المستعدة لبيع شركة بتروبراس، وتفكيك منظومة التعليم، والعمل بوصفها وكلاء استعماريين لمصالح الإمبراطورية».

وشدّد على أن المعركة السياسية في الشوارع، والسعي إلى كسب كل صوت انتخابي، وحتى التعامل مع كل حالة امتناع عن التصويت، تمثل طليعة المقاومة في الجنوب العالمي.

ويرى أنه، مثلما أثبتت شعوب غرب آسيا أن القوة العسكرية والمالية للغرب ليست عصية على الهزيمة، فإن الطبقة العاملة البرازيلية تحمل على عاتقها دورًا تاريخيًا يتمثّل في التصدي للفاشية، وتمهيد الطريق، جنبًا إلى جنب مع دول العالم ذات السيادة، لإرساء عالمٍ متعدّد الأقطاب بصورة نهائيّة.

لينا الحسيني

المصدر: