صُنّاع الطوفان
في ذكرى استشهاد القائد يحيى السنوار، مهندس عملية «طوفان الأقصى» والمشرف عليها، نستذكر العملية التي شنّ خلالها هجومًا استباقيًا على الكيان الصهيوني الغاصب، وأسر عددًا من جنوده بهدف تحرير الأسرى الفلسطينيين الذين أمضوا سنوات طويلة في السجون الإسرائيلية.
لقد أعادت عملية «طوفان الأقصى» زمام المبادرة إلى أصحابها، وهو ما لم يتحقق منذ حرب أكتوبر عام 1973م، حين بادرت مصر وسوريا بالهجوم. فمنذ ذلك الحين، ظلّ الكيان الصهيوني الغاصب هو الطرف الذي يبدأ الهجوم في مختلف الحروب، بينما اقتصر دور المقاومة على الردّ على تلك الهجمات. غير أن الطوفان صنع واقعًا جديدًا، أكد من خلاله أن المقاومة قادرة على المبادرة بالهجوم، وإحباط المخططات الصهيونية الرامية إلى تصفية القضية الفلسطينية، وتوطين سكان غزة في دول مجاورة، وإسقاط حق عودة اللاجئين، ومنحهم جنسيات عربية.
وقد دفعت المعلومات التي توفّرت لدى المقاومة بشأن هذا المخطط قادتها إلى التخطيط لعملية الطوفان، بهدف ضرب تلك الخطة والحيلولة دون تنفيذها.
كما أعاد الطوفان القضية الفلسطينية إلى واجهة الأحداث، بعد أن تراجع حضورها إثر تصدّر أحداث الربيع العربي المشهد الإقليمي، وما أعقبها من حروب في ليبيا واليمن وسوريا والسودان، فضلًا عن الحرب الإيرانية الأمريكية. وقد أسهمت هذه الأحداث مجتمعة في انشغال العالم عن القضية الفلسطينية، كما دفعت العرب إلى تناسيها بسبب انغماسهم في صراعاتهم الداخلية، في ظل خطاب إعلامي موجَّه ظلّ يروّج لفكرة أن الخطر الذي يهدد المنطقة هو الخطر الإيراني، وليس الخطر الصهيوني.
وسعى هذا الإعلام إلى إعادة تشكيل العقلية العربية، بحيث تنظر إلى إيران باعتبارها العدو، بدلًا من إسرائيل، ولا سيما لدى الأجيال الجديدة التي لم تشهد المجازر الصهيونية، ولم تعايش المراحل المختلفة للصراع العربي الإسرائيلي.
لقد أسقط طوفان الأقصى هذه السردية، وكشف للعالم الوجه الحقيقي القبيح للكيان الصهيوني، الذي لا يتورّع عن استخدام مختلف أنواع الأسلحة في استهداف المدنيين وإبادتهم وتهجيرهم. كما عرّى هذا الكيان وحلفاءه من الأنظمة العربية، وكشف حقيقة الأطراف التي تدعم المقاومة الفلسطينية وتساندها، في مقابل الأطراف التي باعت القضية وقبضت الثمن، وانغمست في وحل التطبيع.
وهكذا، أعاد الطوفان القضية الفلسطينية إلى واجهة الاهتمام العالمي، وسلّط الضوء على معاناة الشعب الفلسطيني، وكشف حقيقة المواقف التي حاولت تهميش قضيته، كما نزع ورقة التوت عن الأنظمة العربية المطبّعة، وأعاد طرح القضية الفلسطينية بوصفها قضية مركزية لا يمكن تجاوزها أو تغييبها عن المشهد.

محمد سيد احمد محمد-السودان