التناقض البنيوي في الحوكمة العالمية
​يعيش العالم في الراهن المعاصر لحظة فارقة تشهد تصادماً غير مسبوق بين الحسابات الجيوسياسية المباشرة للدول الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية، وبين المنظومة القانونية والأخلاقية التي تمثل العدالة الدولية والمواثيق الأممية. لم تعد هذه الفجوة مجرد تباين في وجهات النظر السياسية أو اختلاف طبيعي في صياغة البيان الاستراتيجي للدول، بل تحولت إلى أزمة بنيوية تهدد باستبدال “قوة القانون” المستقرة بـ “قانون القوة” المطلق.
​يتجلى هذا الشرخ العميق بأوضح صوره في كيفية تعاطي الإدارات الأمريكية المتلاحقة مع التحركات الدبلوماسية والقانونية الجريئة التي تقودها دول النافذة الجنوبية، وفي مقدمتها جمهورية جنوب إفريقيا، لملاحقة الانتهاكات الجسيمة والجرائم الإنسانية المرتكبة في قطاع غزة. في الوقت الذي تسعى فيه المؤسسات الحقوقية والشخصيات المستقلة إلى إخضاع جميع الأطراف للمساءلة، تصر الدوائر الرسمية في واشنطن على فرض مظلة حماية وتوفير حصانة سياسية وقانونية تحول دون تحقيق العدالة المرجوة، مما ينذر بانهيار تام لهيبة المؤسسات الدولية وعلى رأسها محكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية.
​ العقيدة السياسية الأمريكية وتكتيك إضعاف المؤسسات الدولية
​تُظهر السلوكيات والتصريحات الصادرة عن دوائر صنع القرار في واشنطن—سواء على مستوى البيت الأبيض، أو وزارة الخارجية، أو جهاز الأمن القومي—موقفاُ صريحاً يرفض تقييد السلوك العسكري والأمني للولايات المتحدة وحلفائها بأحكام القانون الدولي الإنساني. هذا الرفض لا يعبر عن مجرد رد فعل مؤقت على قضية بعينها، بل يعكس عقيدة راسخة ترى في المؤسسات القضائية الدولية تهديداً لسيادتها ولحرية حركتها الاستراتيجية.
​عندما تبادرت جنوب إفريقيا بلعب دور حقوقي وتاريخي عبر استخدام أدوات الشرعية الدولية لرفع دعاوى قضائية أمام المحاكم الأممية، جاء الرفض الأمريكي حاداً وقاطعاً. وتراوحت أدوات الرفض الأمريكية بين الاستنكار السياسي المباشر والتلميح بعقوبات أو إجراءات مضادة ضد الدول والمؤسسات التي تجرؤ على فتح ملفات التحقيق أو المساءلة.
​ويرتبط هذا التوجه بمسار ممتد يُمارس من قبل الإدارات الأمريكية المتعاقبة على حد سواء:
​إدارة ترامب: اعتمدت نهجاً هجومياً مباشراً وفرضت عقوبات على مسؤولين في المحكمة الجنائية الدولية انسجاماً مع سياستها القائمة على أحادية القرار والازدراء للاتفاقيات متعددة الأطراف.
​إدارة بايدن: رغم تبنيها خطاباً يعلن العودة إلى الدبلوماسية والعمل المؤسسي، إلا أنها مارست الضغوط السياسية والدبلوماسية لتفريغ جهود المساءلة من مضمونها، والالتفاف على القرارات الصادرة عن المنظمات الدولية بذرائع تتعلق بالحفاظ على أمن الحلفاء والتوازنات الإقليمية.
​إن هذا التوافق الميداني بين الإدارتين ينفي فكرة الرهان على تغير حقيقي في السياسة الخارجية الأمريكية تجاه القانون الدولي؛ فالغاية تظل واحدة وهي منع إخضاع السلوك العسكري الموالي للسياسات الأمريكية لأي معيار حقوقي دولي شامل.
​ النموذج الجنوب إفريقي والعدالة كمبدأ غير قابل للتجزئة
​على الضفة الأخرى من هذا التجاذب الدولي، يبرز الموقف القانوني والأخلاقي لجمهورية جنوب إفريقيا كنموذج استثنائي في التمسك بالشرعية الدولية. يستمد هذا الموقف قوته ومشروعيته من الإرث التاريخي العريق لهذه الدولة في نضالها ضد نظام الفصل العنصري (الأبارتهايد)، وهو ما يجعل تحركاتها نابعة من تجربة إنسانية عميقة ووعي كامل بأهمية التضامن الإنساني ضد سياسات القمع والحصار.
​لم تكتف جنوب إفريقيا بالمواقف السياسية الشفهية أو البيانات الدبلوماسية الروتينية، بل سلكت المسار القانوني الأصعب والأكثر تعقيداً من خلال تفعيل المادة التاسعة من اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية لعام 1948 ومقاضاة الانتهاكات الصريحة أمام محكمة العدل الدولية. إن هذا النهج الإيجابي وضع المؤسسات القضائية والتنفيذية في العالم أمام اختبار الحقيقة: هل القانون الدولي نصوص مجردة يُستدعى تطبيقها ضد الخصوم الجيوسياسيين فقط، أم أنه أداة عالمية لحماية كافة الشعوب دون استثناء؟
​وتتجسد هذه المدرسة الحقوقية في القامات والأيقونات القانونية التي أفرزتها جنوب إفريقيا على مر العقود، وفي مقدمتهن الناشطة والقاضية الدولية نافي بيلاي (Navi Pillay). إن مسيرة بيلاي الحقوقية، بدءاً من عملها كمحامية دفاع عن مناهضي الفصل العنصري، مروراً برئاستها للمحكمة الجنائية الدولية لرواندا، وشغلها منصب المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان، وصولاً إلى قيادتها للجان التحقيق الدولية، تؤكد أن هناك خياراً حقوقياً صلباً يرفض المداهنة والتنازلات السياسية على حساب دماء المدنيين.
​ دلالات التكريم الدولي والتوبيخ الأخلاقي للهيمنة
​عندما تتجه هيئات دولية عريقة ورفيعة المستوى، مثل لجنة نوبل أو غيرها من المؤسسات الحقوقية والاستشارية العالمية، إلى تكريم الشخصيات والجهود الحقوقية المنبثقة من جنوب إفريقيا، فإن هذا التكريم يحمل في جوهره أبعاداً تتجاوز مجرد الاعتراف بالاستحقاق الفردي أو المؤسسي.
​إن رفع شأن هذه النماذج الحقوقية على الساحة الدولية يمثل:
.1 ​توبيخاً أخلاقياً وسياسياً صريحاً للمواقف والأجندات الأمريكية التي تسعى إلى تحجيم الدور الحقوقي وتهميش القانون الدولي.
.2 ​رسالة دعم قوية للتيار الدولي المتمسك بالعدالة والرافض لتحويل المنظمات الدولية إلى مجرد أدوات تنفيذية تخدم المصالح الجيوسياسية للدول العظمى.
.3 ​تأكيداً على حتمية استقلالية القضاء الدولي ووجوب حمايته من الضغوط والترهيب السياسي الممارس عليه خلف الأبواب المغلقة.
​هذا التناقض الواضح بين الثناء الدولي على شجاعة المدافعين عن حقوق الإنسان وبين محاولات التضييق عليهم من قبل السياسيين والمسؤولين التنفيذيين يكشف الأزمة الهيكلية للسياسة العالمية الراهنة. فالقوى المهيمنة باتت معزولة أخلاقياً في رأي المجتمع المدني الدولي والشعوب الحرة، حتى وإن كانت تمتلك أدوات النفوذ الاقتصادي والسيطرة العسكرية وحق النقض (الفيتو).
​ أزمة ازدواجية المعايير ومصير النظام الدولي المستقبلي
​إن التباين المستمر بين تصرفات القوى المهيمنة والواجبات القانونية والأخلاقية يُبرز معضلة “ازدواجية المعايير” (Double Standards) بأبشع صورها. فعندما تنتهك القوانين الدولية من قبل أطراف مناوئة للغرب، تتحرك الآلة الإعلامية والدبلوماسية بسرعة فائقة وتفعل العقوبات الاقتصادية والمحاكمات السريعة تحت شعار حماية حقوق الإنسان؛ بينما يتلاشى هذا الحماس القانوني وتتوقف الملاحقات وتستبدل بالتبريرات والضغط الدبلوماسي عندما يتعلق الأمر بالانتهاكات التي ترتكبها القوى الحليفة أو المدعومة أمريكياً.
​ترتب على هذه الازدواجية تداعيات خطيرة على المستقبل الجيوسياسي والقانوني للعالم:
​فقدان الثقة بالمؤسسات: تآكل ثقة دول العالم النامي والمجتمعات المستضعفة بفاعلية الأمم المتحدة ومجلس الأمن، والاعتقاد المتزايد بأن المعاهدات الدولية أصبحت أدوات لفرض الإرادة الاستعمارية بلباس جديد.
​تقويض الأمن والسلم الدوليين: إن غياب الرادع القانوني الحقيقي يشجع على تكرار الجرائم ويدفع الأطراف المختلفة إلى اعتماد منطق القوة الذاتية بدلاً من الاحتكام إلى المؤسسات القضائية، مما يرفع احتمالات نشوب النزاعات المسلحة والفوضى الشاملة.
​شلل منظومة حقوق الإنسان: تحويل النقاشات الحقوقية إلى سجالات سياسية عقيمة، مما يفقد المفاهيم الإنسانية الأساسية مثل “العدالة”، و”المحاسبة”، و”منع الإبادة الجماعية” مضامينها الفردية والأخلاقية.
​ بين قانون القوة وقوة القانون
​ختاماً، إن الصراع الممتد بين نهج الهيمنة الذي تفرضه واشنطن عبر سياستها الخارجية ونهج المساءلة والعدالة الذي تقوده جنوب إفريقيا ورموزها الحقوقيون، يعبر عن مرحلة انتقالية حاسمة في تاريخ العلاقات الدولية.
​إن هذا التجاذب ليس مجرد نزاع قانوني عابر حول قضية محددة، بل هو استلزام لمراجعة جذرية لشكل ونظام الحوكمة العالمية المستقبلي. فإما أن تنجح ضغوط الشعوب، والمؤسسات الحقوقية المستقلة، ودول الجنوب العالمي في إعادة إحياء المبادئ التأسيسية لميثاق الأمم المتحدة وإرساء نظام يضمن المحاسبة الشاملة لكل من يخترق القانون بغض النظر عن قوته ونفوذه، وإما أن يستمر القضم المنظم للشرعية الدولية ليدخل العالم في حقبة من التحلل الأخلاقي وسيادة الغاب. وتبقى جهود الشرفاء والمستقلين، أفراداً ومؤسسات، الشعلة الأخيرة التي تقاوم الانزلاق نحو هذا الظلام.
د. نبيلة عفيف غصن