ميشيل شحادة: الطوفان الذي لم ينته: فلسطين في مخاض عالم جديد

ميشيل شحادة

بعد ثلاث سنوات على السابع من أكتوبر، ربما يكون الخطأ الأكبر أن نتعامل مع طوفان الأقصى بوصفه حدثا وقع وانتهى، ثم دخلنا مرحلة حساب نتائجه. نحن، في الحقيقة، ما زلنا نعيش لحظة الطوفان. تغيرت الجبهات، وتبدلت الظروف، ودُفعت أثمان فلسطينية هائلة، لكن الزلزال الذي بدأ من غزة لم يستقر بعد. لقد خرج من الميدان العسكري إلى السياسة والقانون والجامعات والأحزاب والوعي الشعبي، وأصبح جزءا من مخاض عالم يعيد النظر في مسلمات ظلت لعقود تبدو ثابتة.

تكتيكيا، كشف السابع من أكتوبر انهيارا واسعا في منظومات الإنذار والردع والدفاع الصهيونية، وهو ما أكدته لاحقا التحقيقات الصهيونية نفسها. لكن قراءة الحدث من زاوية الساعات الأولى وحدها تُفوّت معناه الأعمق. الإنجاز الاستراتيجي الأهم كان كسر الفرضية التي حكمت القضية الفلسطينية منذ أوسلو: إمكان إدارة الفلسطيني إلى ما لا نهاية، بسلطة متعاملة في الضفة، وحصار دائم لغزة، واستيطان يتمدد، وتطبيع عربي يتقدم، فيما تتحول قضية التحرر تدريجيا إلى ملف إنساني وإداري.

الطوفان أعاد السؤال الذي حاول ذلك النظام دفنه: ماذا يفعل شعب حين يصبح الاحتلال نظاما دائما، وحين تتحول التسوية من طريق لإنهائه إلى أداة لإدارته؟

ومن هنا لم تبقَ غزة قضية فلسطينية فقط. أصبحت غزة مرآة كاشفة للنظام الدولي نفسه، عرّت تناقضاته ووضعت قيمه المعلنة أمام امتحان الحقيقة. أمامها اختُبرت حقوق الإنسان، والقانون الدولي، وحرية التعبير، واستقلال الجامعات، ومصداقية الإعلام، والعلاقة بين الحكومات ومجتمعاتها. واضطرت المؤسسات التي تحدثت طويلا عن “القيم العالمية” إلى مواجهة سؤال لم يعد نظريا: هل هذه القيم واحدة حين يكون الضحية فلسطينيا والمتهم حليفا؟

وهنا حدث تحول ربما يكون من أهم نتائج السنوات الثلاث: انكسر احتكار الرواية داخل الغرب نفسه.

في الولايات المتحدة، أظهر استطلاع مركز بيو في ربيع 2026 أن 60 في المئة من الأميركيين باتوا ينظرون إلى “إسرائيل” بصورة سلبية، مقارنة بـ 42 في المئة عام 2022، وأن التحول أشد وضوحا بين الأجيال الأصغر سنا. هذه ليست مجرد حركة في الأرقام؛ إنها بداية تحول جيلي يمس القاعدة الاجتماعية التي استند إليها الدعم التقليدي لـ “إسرائيل” لعقود.

والأجيال مهمة أكثر من الحكومات. فالحكومة تبقى سنوات؛ أما الجيل فيدخل الجامعات ثم الإعلام والنقابات والمؤسسات والأحزاب، ويحمل معه منظومة قيم جديدة لعقود. ولهذا كانت المعارك التي شهدتها الجامعات الأميركية والأوروبية أكبر من الاعتصامات نفسها: فلسطين دخلت إلى قلب النقاش الغربي حول الحرية والعدالة وحدود السلطة ومن يملك حق تعريف “المقبول” سياسيا.

وفي بريطانيا وصل التحول إلى مستوى كان يصعب تخيله قبل سنوات قليلة. ففي مؤتمر حزب الخضر في أكتوبر 2026، صوّت الأعضاء لاعتماد موقف رسمي مناهض للصهيونية، مع التأكيد على حق العودة، ودعم المقاطعة وسحب الاستثمارات والعقوبات، والمطالبة بحظر كامل للسلاح، وتأييد دولة ديمقراطية واحدة على فلسطين التاريخية. أثار القرار اعتراضات حادة، بما فيها اعتراضات من مؤسسات يهودية صهيونية وخصوم سياسيين، لكن أهميته تكمن في مكان حدوثه: داخل حزب بريطاني ممثل في البرلمان، لا على هامش تظاهرة احتجاجية.

وفي العام السابق كانت بريطانيا وكندا وأستراليا وفرنسا وغيرها قد انتقلت إلى الاعتراف بدولة فلسطين، في تحول رمزي وسياسي مهم داخل المعسكر الغربي التقليدي. الاعتراف لا يحرر أرضا ولا يوقف مستوطنة، لكنه يغيّر البيئة التي يدور فيها الصراع: فلسطين لم تعد مجرد دولة «قد تولد إذا وافقت “إسرائيل”»، بل حقا سياسيا تعترف به أغلبية دول العالم.

حتى القانون تغير موقعه في المعركة. مذكرة المحكمة الجنائية الدولية بحق بنيامين نتنياهو ما زالت قائمة، فيما تستمر قضية جنوب أفريقيا أمام محكمة العدل الدولية بشأن اتهامات الإبادة من دون حكم نهائي حتى الآن، وقد دخلت دول عدة على خط إجراءاتها القانونية. هنا أيضا ليست القيمة في توقع أن توقف المحكمة دبابة غدا، بل في أن الكيان الصهيوني انتقل من موقع الدولة التي تستدعي القانون ضد خصومها إلى موقع الدولة التي تخضع هي نفسها لمساءلته.

هذه كلها شقوق في أحد أهم عناصر القوة الصهيونية: الشرعية الغربية.

فالدول لا تعيش بالسلاح وحده. تعيش أيضا بالصورة، والتحالف، والغطاء الأخلاقي، واستعداد الآخرين لتحمل كلفة الدفاع عنها. وحين يبدأ ذلك الرصيد بالتآكل في الجامعات والشوارع والأحزاب والمحاكم والثقافة، فنحن أمام تغير أبطأ من حركة الجيوش، لكنه قد يكون أطول عمرا منها.

وهنا تظهر المفارقة العربية والإسلامية المؤلمة. فالمشكلة ليست في الوجدان. مؤشر الرأي العربي لعام 2025 أظهر أن 80 في المئة يعتبرون فلسطين قضية عربية جماعية، وأن 87 في المئة يرفضون الاعتراف بـ “إسرائيل”. فلسطين ما زالت عميقة في ضمير المنطقة.

لكن الوجدان العربي سبق الفعل العربي بمسافات.

في أجزاء من أوروبا وأميركا تحول التضامن إلى جامعات ونقابات وحملات قانونية ومقاطعة وضغط على الشركات وبرامج حزبية وتصويت في المجالس والبرلمانات. أما في كثير من الساحات العربية والإسلامية، فبقي الغضب أوسع من القدرة على تنظيمه. يعود بعض ذلك إلى القمع وضيق المجال السياسي وضعف استقلال المجتمع المدني؛ لكن النتيجة تظل قاسية: أناس أبعد جغرافيا وتاريخيا عن فلسطين استطاعوا تحويل تضامنهم إلى أدوات عملية أكثر استدامة من مجتمعات ترى فلسطين جزءا من هويتها ووجدانها.

وهذه ليست إدانة للشعوب العربية والاسلامية، بل سؤال يجب أن يطرحه الطوفان علينا نحن أيضا: ما قيمة الوعي إذا لم يتحول إلى تنظيم؟ وما قيمة الحب إذا بقي عاجزا عن إنتاج قوة؟

الطوفان لم يكشف “إسرائيل” والغرب فقط. كشفنا نحن أيضا.

ومن زاوية أوسع، ربما تكون إحدى أكثر الطرق خروجا من التفكير التقليدي هي النظر إلى الطوفان بوصفه إحدى القابلات التاريخية لعالم جديد. لم يصنع صعود الصين، ولا توسع بريكس، ولا تراجع الأحادية الأميركية، ولا احتجاج الجنوب العالمي على الهيمنة الغربية. كل ذلك سبقه. لكنه ضَغَطَ الزمن، وجمع تناقضات النظام الدولي في مشهد واحد، وجعل ازدواجية المعايير مرئية لمئات الملايين دفعة واحدة.

ومن هنا أَسْتَخدِم، مجازيا لا حرفيا، تعبير “فريق فلسطين وفريق إبستين”.

ليست المسألة تحالفين سياسيين، ولا اتهام كل من يختلف حول فلسطين بعلاقة بجيفري إبستين. إنها صورة لعالمين من القيم. “فريق فلسطين” يرمز إلى المطالبة بأن يكون القانون واحدا للقوي والضعيف، وأن تكون الكرامة الإنسانية غير قابلة للتجزئة. أما “إبستين” فأصبح رمزا لعالم مغلق من النفوذ والثروة والامتياز، وللمسافة بين الأخلاق التي تعلنها النخب والواقع الذي قد تخفيه شبكات القوة وراء الأبواب.

بهذا المعنى، لم يعد الانقسام العالمي شرقا وغربا فقط. هناك صدع يمر داخل الغرب والشرق معا، وداخل المجتمعات نفسها: بين من يرى أن القوة تمنح صاحبها حق تعريف القانون، ومن يرى أن وظيفة القانون تحديدا هي أن تقيد القوة.

وفلسطين تقف اليوم على هذا الصدع.

لكن هنا يجب أن ينتهي الاحتفال ويبدأ التفكير الاستراتيجي. فالتعاطف ليس قوة ما لم يُنظم. والاعتراف لا يصنع سيادة. والمحكمة لا تحرر أرضا وحدها. والمظاهرة، مهما اتسعت، لا تصبح تحولا تاريخيا ما لم تجد مشروعا سياسيا قادرا على تحويلها إلى ضغط متراكم.

وهنا تكمن المفارقة الفلسطينية الكبرى: العالم تغير تجاه فلسطين أسرع مما تغير العقل السياسي الفلسطيني القادر على استثمار ذلك التغيير.

الطوفان فتح أبوابا لم تُفتح منذ عقود، لكنه لا يستطيع عبورها نيابة عنا.

لذلك، بعد ثلاث سنوات، لم يعد السؤال الأهم: هل نجح الطوفان أم فشل؟ فهذا سؤال أصغر من الحدث.

السؤال الحقيقي هو: ماذا سنفعل بالعالم الذي غيّره؟

لقد أعاد فلسطين إلى مركز الوعي العالمي، وفتح صدعا داخل الغرب، وأدخل “إسرائيل” إلى مساحة غير مسبوقة من المساءلة الشعبية والسياسية والقانونية، وكشف حدود التطبيع العربي، وعرّى ضعفنا نحن في تحويل الوجدان إلى فعل.

لكن كل ذلك لا يزال إمكانية تاريخية، لا نصرا مكتملا.

فالطوفان الحقيقي لم يكن فقط ذلك الذي عبر السياج في صباح السابع من أكتوبر. الطوفان الأعمق هو الذي عبر الحدود والعقول والجامعات والمحاكم والأحزاب والأجيال، حتى أصبحت فلسطين، بدل أن تبحث عن مكان داخل النظام العالمي، واحدة من القضايا التي تضع ذلك النظام نفسه في قفص السؤال.

وإذا كان العالم القديم يتشقق أمام أعيننا، فإن فلسطين لم تعد متفرجة على ذلك التشقق.

إنها إحدى قوابله.

الطوفان لم ينته. لقد غيّر مجراه، وخرج من غزة إلى العالم.