تمرّ كيانات الأمة كما العالم العربي والاقليمي بمرحلة تاريخية مفصلية تتسم بتشابك غير مسبوق بين الضغوط الخارجية والأزمات الداخلية، وبين الصراعات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية، في وقت تتعرض فيه المنطقة لهجمة إمبريالية–استعمارية متصاعدة تقودها الولايات المتحدة والكيان الصهيوني، وتتحرك عبر أدوات عسكرية وسياسية واقتصادية وإعلامية وأمنية متكاملة لإعادة تشكيل موازين القوى والجغرافيا السياسية بما يخدم مصالح القوى المهيمنة ويكرّس التفوق الصهيوني ويضعف قدرة المجتمعات على امتلاك قرارها ومصيرها.
في مثل هذا الظرف، لم يعد التشرذم السياسي مجرد مشكلة داخلية يمكن تأجيل معالجتها، ولم تعد الخلافات الحزبية والفكرية شأناً ثانوياً يمكن أن يستمر بلا حدود. فحين تتعرض الكيانات الوطنية لضغوط متزامنة تستهدف سيادتها ووحدتها واقتصادها واستقرارها الاجتماعي، يصبح الانقسام الداخلي عاملاً من عوامل الضعف الاستراتيجي.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى الانتقال من منطق التنافس الذي يستنزف القوى الوطنية إلى منطق التكامل الذي يحمي الوطن، ومن الحسابات الحزبية الضيقة إلى رؤية أوسع تجعل المصلحة الوطنية العليا نقطة التقاء بين مختلف القوى والتيارات.
إن تشكيل جبهات وطنية شاملة على مستوى العالم العربي والاقليمي داخل جميع الكيانات ليس تحالفاً انتخابياً عابراً، ولا صفقة سياسية مؤقتة، ولا محاولة لإلغاء التعدد الفكري والسياسي. إنه، في جوهره، محاولة لإعادة بناء القدرة الوطنية على مواجهة مرحلة تتطلب قدراً استثنائياً من الوعي والتنظيم والتنسيق.
أولاً: لماذا الجبهات الوطنية الشاملة الآن؟
تكتسب هذه الاستراتيجية أهميتها من طبيعة المرحلة نفسها. فالتحديات الراهنة لم تعد منفصلة بعضها عن بعض. الأزمة الاقتصادية ترتبط بالقرار السياسي، والقرار السياسي يرتبط بالسيادة، والسيادة ترتبط بالقدرة الاقتصادية، والاستقرار الاجتماعي يرتبط بالعدالة، والأمن يرتبط بمدى تماسك المجتمع وقدرته على حماية نفسه.
وفي المقابل، فإن المشاريع الخارجية لا تتحرك في اتجاه واحد. فالضغط السياسي قد يترافق مع العقوبات الاقتصادية، والحصار مع الحرب الإعلامية، والتدخل الأمني مع إثارة الانقسامات الداخلية، بينما تُستخدم الأزمات الاجتماعية والاقتصادية أحياناً كبيئة تسمح بتوسيع النفوذ الخارجي.
وهذا يعني أن مواجهة التحديات لا يمكن أن تتم عبر جبهة واحدة من جبهات الصراع، بل تحتاج إلى استراتيجية وطنية شاملة تجمع بين السياسة والاقتصاد والمجتمع والإعلام والثقافة والأمن والمعرفة.
الهجمة الإمبريالية–الاستعمارية وضرورة التماسك الداخلي
إن خطورة المرحلة الراهنة تكمن في أن الصراع لم يعد محصوراً في مواجهة عسكرية تقليدية، بل أصبح صراعاً على الإرادة والقرار والوعي والموارد والجغرافيا والقدرة على إنتاج القوة.
فالولايات المتحدة تمتلك شبكة واسعة من أدوات التأثير الدولي، بينما يمثل الكيان الصهيوني مركزاً متقدماً لمشروع استراتيجي يسعى إلى تكريس التفوق وإعادة رسم بيئة المنطقة وفق مصالحه. وبين القوة العسكرية والضغط السياسي والاقتصادي والحرب الإعلامية والأدوات التكنولوجية، تتشكل منظومة ضغط واسعة لا يمكن مواجهتها بمجتمعات مفككة وقوى وطنية متصارعة.
ومن هنا فإن تشكيل الجبهات الوطنية الشاملة يصبح ضرورة مضاعفة: لأن الخطر الخارجي منظم، فلا يجوز أن يكون الداخل مفككاً؛ ولأن المشاريع الخارجية بعيدة المدى، لا يجوز أن تبقى القوى الوطنية أسيرة الحسابات اليومية؛ ولأن أدوات الصراع متعددة، يجب أن تكون أدوات المواجهة متعددة ومتكاملة.
ولا يعني ذلك اختزال كل أزمات المنطقة في عامل خارجي، أو إعفاء القوى الداخلية من مسؤولياتها. على العكس، إن قوة أي مشروع خارجي تتعاظم عندما يجد داخلاً ضعيفاً ومنقسماً ومأزوماً. ولذلك فإن مواجهة التدخل الخارجي تبدأ، في أحد أهم مستوياتها، بإعادة بناء الداخل.
ثانياً: مواجهة مخاطر التفتيت وحماية الكيان
من أخطر ما تواجهه المجتمعات اليوم تحويل الاختلاف الطبيعي بين مكوّناتها إلى انقسامات وجودية.
فالطائفية والمذهبية والمناطقية والعشائرية والإثنية تصبح أدوات خطرة عندما تتحول من هويات اجتماعية وثقافية إلى مشاريع سياسية متصارعة على حساب وحدة الكيان.
إن حماية الكيان الوطني لا تعني إنكار التعدد، بل تعني بناء صيغة سياسية واجتماعية تجعل التعدد مصدر غنى لا سبباً للصراع.
فالجبهة الوطنية الحقيقية لا تسأل المواطن أولاً إلى أي طائفة أو منطقة أو تيار ينتمي، بل تسأله: ما الذي نستطيع أن نفعله معاً لحماية الوطن؟
وهنا تتحول الوحدة الوطنية من شعار أخلاقي إلى ضرورة استراتيجية.
فإذا كان التفتيت يقوم على تحويل المجتمع إلى جماعات متقابلة، فإن الرد لا يكون بإلغاء التنوع، وإنما ببناء إطار جامع يجعل المصالح المشتركة أقوى من عوامل الانقسام.
ثالثاً: سقوط رهانات الاستقواء بالخارج
أثبتت التجارب التاريخية أن القوى الخارجية لا تتحرك انطلاقاً من مصالح الشعوب وحدها، بل وفق مصالحها الاستراتيجية.
وقد تتقاطع مصالح الخارج مع مصالح الداخل في لحظة معينة، لكن تحويل هذا التقاطع إلى تبعية دائمة يضع القرار الوطني تدريجياً تحت تأثير إرادات أخرى.
ومن هنا فإن الاستقلال لا يعني الانغلاق على العالم، ولا رفض العلاقات الدولية، بل يعني أن تكون العلاقات الخارجية أداة في خدمة المصلحة الوطنية، لا بديلاً عن الإرادة الوطنية.
والجبهة الوطنية الشاملة يجب أن تكون مستقلة في قرارها، لأن الجبهة التي تستمد قوتها من الخارج قد تمتلك القدرة على الحركة، لكنها تفقد تدريجياً قدرتها على تحديد اتجاهها.
إن المطلوب ليس استبدال تبعية بتبعية، ولا مواجهة نفوذ خارجي بالارتهان إلى نفوذ آخر، بل بناء قدرة وطنية مستقلة تسمح بالتعامل مع مختلف القوى الدولية والإقليمية من موقع المصلحة الوطنية.
رابعاً: التآكل الاقتصادي والاجتماعي جزء من المعركة
لا يمكن بناء جبهة وطنية فوق مجتمع منهك اقتصادياً واجتماعياً.
فالفقر والبطالة وتراجع الطبقة الوسطى وغياب العدالة الاجتماعية وانهيار الخدمات وتآكل القدرة الشرائية كلها ليست مشكلات اقتصادية محضة؛ إنها عوامل تؤثر مباشرة في الاستقرار السياسي والاجتماعي.
المواطن الذي يفقد الأمل بالمستقبل يصبح أكثر عرضة للهجرة أو الانكفاء أو الاستقطاب أو الارتهان لشبكات الزبائنية.
ولهذا يجب أن تمتلك الجبهة الوطنية برنامجاً اقتصادياً واضحاً يقوم على دعم الإنتاج، وحماية العمل، ومكافحة الفساد، وإصلاح الإدارة، وتعزيز التعليم، وتطوير الزراعة والصناعة والتكنولوجيا، واستعادة دور الدولة في حماية المجتمع.
فلا سيادة سياسية بلا حد أدنى من السيادة الاقتصادية، ولا استقلال فعلي إذا كان المجتمع عاجزاً عن إنتاج حاجاته الأساسية أو حماية موارده وقدراته البشرية.
خامساً: شمولية القوى الوطنية قوة في التنوع
لا يستطيع حزب واحد، مهما بلغت قوته، أن يدّعي امتلاك المجتمع كله.
فالمجتمعات الحية تضم قوميين ويساريين وليبراليين وإسلاميين ومدنيين ونقابيين ومستقلين وشباباً وفاعلين ثقافيين واجتماعيين، ولكل منهم رؤيته وأولوياته.
لكن الخطأ يكمن في تحويل هذا التنوع إلى حالة تناحر دائم.
الجبهة الوطنية الشاملة لا تطلب من كل قوة التخلي عن هويتها الفكرية. ولا تطلب من اليساري أن يصبح قومياً، أو من القومي أن يتخلى عن رؤيته، أو من الليبرالي أن يتبنى برنامجاً لا يؤمن به.
المطلوب هو تحديد المساحة الوطنية المشتركة التي يستطيع الجميع العمل داخلها.
فيمكن الاتفاق على السيادة والاستقلال والوحدة الوطنية والعدالة الاجتماعية ورفض الاحتلال والهيمنة الخارجية، مع بقاء الخلاف حول شكل الاقتصاد أو طبيعة النظام السياسي أو السياسات الاجتماعية مجالاً للتنافس الديمقراطي.
وهذا هو معنى النضج السياسي: أن نعرف ما الذي يجب أن نتفق عليه، وما الذي يمكن أن نختلف حوله.
سادساً: الحد الأدنى المشترك أساس الجبهة
لا يمكن لجبهة وطنية أن تنجح من دون ميثاق واضح يحدد القواعد التي تجمع أطرافها.
ويجب أن يتضمن هذا الحد الأدنى:
السيادة الوطنية واستقلال القرار.
حماية وحدة الكيان والمجتمع.
رفض الاحتلال والعدوان والهيمنة الخارجية.
حماية الحقوق الأساسية للمواطنين.
تحقيق العدالة الاجتماعية.
مكافحة الفساد والمحاصصة والزبائنية.
بناء اقتصاد وطني منتج.
احترام التعدد السياسي والفكري.
الاحتكام إلى المؤسسات والقانون.
حماية القرار الوطني من الارتهان الخارجي.
هذه المبادئ ليست برنامجاً أيديولوجياً مغلقاً، بل أرضية مشتركة تسمح للقوى المختلفة بأن تعمل معاً من دون أن تفقد خصوصيتها.
سابعاً: الديمقراطية داخل الجبهة شرط لاستمرارها
لا يمكن لجبهة تطالب بالديمقراطية في الدولة أن تمارس التسلط داخل بنيتها.
ولهذا ينبغي أن تقوم على قيادة جماعية وآليات واضحة لاتخاذ القرار، وتمثيل متوازن للقوى المشاركة، وشفافية مالية وإدارية، وآليات واضحة لحل الخلافات.
كما ينبغي أن تبقى الجبهة إطاراً تنسيقياً لا حزباً جديداً يبتلع الأحزاب المشاركة فيه.
فنجاحها يتطلب أن يشعر كل طرف بأنه شريك حقيقي، لا تابع لطرف أقوى.
والشفافية هنا ليست تفصيلاً إدارياً، بل عنصر أساسي في بناء الثقة، خصوصاً في مجتمعات فقدت ثقتها بكثير من المؤسسات والقوى السياسية.
ثامناً: من الجبهة الانتخابية إلى الجبهة المجتمعية
أخطر ما يمكن أن يحدث هو اختزال الجبهة الوطنية في تحالف انتخابي.
فالانتخابات محطة وليست مشروعاً تاريخياً.
الجبهة المطلوبة يجب أن تكون حاضرة في المجتمع: في النقابات والجامعات والبلديات والمؤسسات الثقافية والاقتصادية، وفي قضايا الشباب والتعليم والعمل والإعلام.
ويجب أن تمتلك مراكز دراسات ولجاناً اقتصادية واجتماعية وقانونية وإعلامية، لأن القوة السياسية الحديثة لا تقاس بعدد المقاعد فقط، بل بقدرتها على إنتاج المعرفة وصناعة السياسات وتوجيه الرأي العام وبناء البدائل.
تاسعاً: الشباب ليسوا جمهوراً بل قوة تأسيسية
لا يمكن بناء مشروع وطني للمستقبل بعقلية الماضي وحدها.
الشباب يجب أن يكونوا في قلب الجبهة، لا مجرد جمهور في الانتخابات أو قوة تعبئة في المناسبات.
إن إشراكهم في صناعة القرار والبحث والإعلام والاقتصاد الرقمي والتخطيط الاستراتيجي يفتح المجال أمام تجديد الحياة السياسية، ويمنع تحول الجبهة إلى إطار تقليدي يعيد إنتاج النخب نفسها.
والأهم أن الجبهة يجب أن تقدم للشباب مشروعاً يجعل البقاء في الوطن خياراً ممكناً، لا التضحية التي لا مقابل لها.
عاشراً: من الدفاع عن الكيان إلى بناء القدرة الوطنية
الجبهة الوطنية الناجحة لا تكون جبهة «ضد» الخارج فقط؛ بل يجب أن تكون جبهة لبناء الداخل.
فالقوة في مواجهة الضغط الخارجي تبدأ من مجتمع متماسك، واقتصاد منتج، ومؤسسات فعالة، وتعليم نوعي، وثقافة وطنية حية، وإعلام قادر على مواجهة التضليل، وقدرات علمية وتكنولوجية تضع المجتمع في موقع الفاعل لا المنفعل.
وهنا ينبغي إعادة تعريف الأمن الوطني.
فالأمن ليس عسكرياً فقط؛ إنه اقتصادي وغذائي ومائي واجتماعي وثقافي وتكنولوجي وإعلامي وسياسي.
وإذا كانت أدوات السيطرة الحديثة متعددة، فإن أدوات التحرر يجب أن تكون متعددة أيضاً.
حادي عشر: نحو ميثاق وطني تاريخي
لكي تنتقل الفكرة من مستوى الخطاب إلى مستوى الفعل، يمكن للقوى الوطنية البدء بصياغة ميثاق وطني جامع يحدد المبادئ غير القابلة للمساومة، وآليات اتخاذ القرار، وقواعد الشفافية والتمويل، وسبل فض النزاعات، والبرنامج الاقتصادي والاجتماعي، والرؤية المتعلقة بالسيادة والعلاقات الخارجية.
وعندها لا تعود الجبهة مجرد صورة جميلة للوحدة، بل تتحول إلى مؤسسة سياسية ومجتمعية قادرة على إنتاج القوة.
والأهم أن يكون هذا الميثاق مفتوحاً أمام القوى الوطنية المختلفة، لا أن يتحول إلى وثيقة تفرضها جهة واحدة على الآخرين.
خاتمة: الوحدة ليست شعاراً بل قدرة على الفعل
إن المرحلة الراهنة تفرض على القوى الوطنية مراجعة عميقة لطريقة عملها.
ففي الوقت الذي تتحرك فيه القوى الكبرى وفق استراتيجيات طويلة المدى، لا يجوز أن تبقى القوى الوطنية أسيرة الحسابات الضيقة والمصالح الحزبية والمنافسات الشخصية.
وفي الوقت الذي تتشابك فيه أدوات الصراع الإمبريالي–الاستعماري بين السياسي والعسكري والاقتصادي والإعلامي والثقافي، لا يمكن مواجهة هذه الأدوات بجزر سياسية منفصلة.
إن الهجمة التي تقودها الولايات المتحدة والكيان الصهيوني، بما تحمله من أبعاد استراتيجية وسياسية وعسكرية واقتصادية، تجعل حماية كيانات الأمة مسؤولية تتطلب أعلى درجات التماسك الوطني والوعي السياسي والتنظيم الشعبي.
لكن مواجهة هذه الهجمة لا تعني تحويل المجتمع إلى كتلة واحدة بلا اختلاف، ولا تعني إلغاء الديمقراطية، ولا تعني فرض أيديولوجيا واحدة على الجميع. بل تعني العكس تماماً: حماية التعدد داخل إطار وطني جامع، بحيث يبقى الاختلاف مشروعاً، لكن لا يتحول إلى ثغرة في جدار السيادة.
إن المعركة الحقيقية في هذه المرحلة هي معركة الإرادة والوعي والقرار والقدرة.
ومن يخسر قدرته على التفكير المستقل، يفقد تدريجياً قدرته على حماية استقلاله. ومن يسمح بتفكيك مجتمعه من الداخل، يجعل مهمّة خصومه أسهل. ومن يضع مصلحته الحزبية فوق المصلحة الوطنية في لحظة تاريخية مصيرية، قد يربح موقعاً عابراً لكنه يخسر المستقبل.
لذلك فإن تشكيل الجبهات الوطنية الشاملة في مختلف كيانات الأمة لم يعد ترفاً سياسياً، ولا خياراً ثانوياً يمكن تأجيله إلى زمن أكثر ملاءمة. إنه ضرورة استراتيجية يفرضها واقع الصراع نفسه.
المطلوب اليوم ليس أن نتفق على كل شيء؛ فهذا غير ممكن ولا ضروري. المطلوب أن نتفق على ما لا يجوز أن يسقط: الوطن، والسيادة، ووحدة المجتمع، وحقه في تقرير مصيره، والعدالة الاجتماعية، ورفض الاحتلال والهيمنة، وبناء اقتصاد منتج، وحماية الإنسان وكرامته.
فإذا كان التفتيت يحتاج إلى أعداء متعددين، فإن الوحدة تحتاج إلى إرادة واحدة في القضايا المصيرية.
وإذا كان الخارج يمتلك القوة، فإن الداخل يستطيع أن يمتلك القدرة إذا عرف كيف ينظم طاقاته.
وإذا كانت المرحلة مرحلة صراع على مستقبل المنطقة، فإن الرد لا يكون بالانتظار ولا بالتفرج ولا بالتشرذم، بل ببناء قوة وطنية واعية، مستقلة، ديمقراطية، منظمة، قادرة على تحويل التنوع إلى طاقة، والخلاف إلى حوار، والمجتمع إلى قوة تاريخية فاعلة.
فالوحدة الوطنية ليست أن نتشابه، بل أن نعرف كيف نختلف من دون أن نتفكك؛ وليست أن نتنازل عن أفكارنا، بل أن نعرف متى تصبح المصلحة العليا أكبر من خلافاتنا؛ وليست مجرد تضامن في مواجهة الخطر، بل بناء القدرة التي تمنع الخطر من تحويلنا إلى ساحات مفتوحة لمشاريع الآخرين.
وفي هذه اللحظة التاريخية تحديداً، يصبح السؤال الحقيقي ليس: هل نستطيع أن نتوحد؟
بل: هل نستطيع أن نتحمل كلفة عدم التوحد؟
والجواب، أمام حجم التحديات التي تواجه كيانات الأمة، ينبغي أن يكون واضحاً: لقد أصبح بناء الجبهات الوطنية الشاملة ضرورة من ضرورات البقاء، وشرطاً من شروط استعادة المبادرة، وطريقاً لا غنى عنه لحماية الحاضر وصناعة المستقبل.
د. نبيلة عفيف غصن
