في الثلاثين من أيلول/سبتمبر 2026، أعلنت وزارة الدفاع الأميركية (“البنتاغون”) رسمياً انتهاء وجودها العسكري في العراق، لتطوي بذلك اثني عشر عاماً من عملية “العزم الصلب” التي قادتها واشنطن ضد تنظيم “داعش”. وأعلنت بغداد الأول من تشرين الأول/أكتوبر “يوماً للسيادة”، في خطوة رمزية تعكس رغبة العراق في تقديم نفسه دولة استعادت قرارها المستقل. غير أن هذا الانسحاب، على رمزيته، لا يعني نهاية النفوذ الأميركي في العراق، بل إعادة تشكيله بأدوات أقل كلفة وأكثر مرونة.

انسحاب محسوب لا تخَلٍّ عن النفوذ

غادر نحو 2500 جندي أميركي الأراضي العراقية، لكن أدوات الضغط الجوهرية بقيت في مكانها. فالمال هو الورقة الأقوى: عائدات النفط العراقي تُسعَّر بالدولار وتُودَع أغلبيتها في الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك.

وفي نيسان/أبريل 2026، أوقفت واشنطن إرسال نحو 500 مليون دولار نقداً إلى بغداد للضغط عليها بشأن ملف الفصائل المسلحة، قبل أن يُتفق في أواخر أيلول/سبتمبر على استئناف الإرسال مقابل تعهدات عراقية بتشديد الرقابة على تدفق الدولار. بعبارة أخرى، حتى من دون جندي واحد على الأرض، تستطيع واشنطن التأثير في مفاصل الاقتصاد العراقي.

أما سياسياً، فيُنظر إلى رئيس الوزراء الحالي علي الزيدي باعتباره جاء بدعم أميركي، وقد التقى وزير الدفاع الأميركي قبل الانسحاب ليؤكد أن القوات الأمنية العراقية، بما فيها “البيشمركة” الكردية، ستتحمل مسؤولية مكافحة الإرهاب . فالانسحاب إذن ليس تخلياً عن النفوذ، بل تحويل للمسؤولية إلى حلفاء مع الاحتفاظ بأدوات التأثير.

حركات المقاومة المسلحة: سلاح دفاعي في وطن لم يستعد سيادته

لم تكن الفصائل المسلحة التي واجهت “داعش” مجرد “ميليشيات موالية لإيران” كما تدعي واشنطن، بل كانت حركات مقاومة مسلحة تشكلت في لحظة انهيار الدولة العراقية عام 2014، حين اجتاح التنظيم الإرهابي ثلث البلاد وهدد بغداد وأربيل.

وقد أنشأت واشنطن نفسها الظروف الموضوعية لصعود “داعش” عبر الغزو عام 2003 وسياسات التفكيك والإقصاء التي مارستها. وقد اعترفت هيلاري كلينتون، وزيرة الخارجية الأميركية آنذاك، بأن “الولايات المتحدة خلقت المشكلة التي نحاربها الآن” في سياق مماثل بأفغانستان .تصدّت هذه الفصائل، إلى جانب “الحشد الشعبي” و”البيشمركة” والجيش العراقي، لخطر وجودي هدد الجميع. وقد كانت “كتائب حزب الله”، بحسب محللين غربيين، من أكثر الفصائل نفوذاً في هذا الإطار . وبعد انتهاء التهديد المباشر، تحوّل سلاحها إلى ورقة ضغط في مواجهة استمرار الوجود الأجنبي والهيمنة السياسية والاقتصادية الأميركية.

اليوم، ترفض هذه الفصائل، ومنها “كتائب حزب الله”، تسليم سلاحها بذريعة أن العراق ما زال مستباحاً، وأن السيادة لم تكتمل بعد. ويقول المسؤول الأمني في “كتائب حزب الله”، أبو مجاهد العساف، إن الفصائل المتمسكة بسلاحها تشترط “الخروج الكامل والحقيقي” للتحالف الدولي، و”تحرير القرار السياسي والاقتصادي من الهيمنة الأميركية”، إضافة إلى “إخراج القوات التركية” من شمال العراق .ويؤكد فصيل “أصحاب الكهف” في بيانه الأخير أن “قضية تسليم السلاح أوهامٌ يحلم بها الضعفاء”، معتبراً أن “أي وجود أجنبي، بريّاً كان أو جوّياً، سيشهد ردّاً عسكرياً” . ويقول كاظم الفتوسي، المتحدث باسم “كتائب سيد الشهداء”، إن “أسلحتنا غالية، لذلك قلنا إن هذه الأسلحة مقابل السيادة” .وتشير تحليلات إلى أن نزع سلاح هذه الفصائل بالقوة غير ممكن عملياً، لأنها مندمجة في “الحشد الشعبي” الذي أقرّ البرلمان العراقي قانوناً في 2016 يعترف به كجزء من القوات المسلحة . كما أن الحكومة العراقية نفسها “لا تملك خطة” لنزع سلاحهم.

الميليشيات الكردية الإيرانية: أدوات واشنطن لتقويض إيران

في مقابل فصائل المقاومة العراقية التي تطالب بإنهاء الهيمنة الأميركية، تبرز في إقليم كردستان العراق مجموعات كردية إيرانية معارضة تعمل كأدوات لواشنطن وتل أبيب لزعزعة أمن الجارة إيران. وقد تشكّلت هذه المجموعات في 22 فبراير/شباط 2026 في تحالف سياسي موحّد أُطلق عليه “ائتلاف القوى السياسية الكردية الإيرانية”، وضمّ ست قوى رئيسية بينها “الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني” و”حزب الحياة الحرة الكردستاني” (بيجاك) و”حزب الحرية الكردستاني” (باك) .وتتراوح قوة هذه المجموعات بين 8 و10 آلاف مقاتل، وفق تقديرات، وهي تعدّ “أكثر القوى المنظمة في إطار المعارضة الإيرانية المسلحة” .

وقد تلقت بعضها “دعماً لوجستياً وتسليحياً من الولايات المتحدة وتمويلاً من إقليم كردستان” .وقد كشفت تقارير استخباراتية عن برنامج سري لوكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (CIA) لتسليح هذه المجموعات، بدأ قبل الحرب الحالية، بهدف “زعزعة استقرار إيران” . ونقلت صحيفة “نيويورك تايمز” عن مصادر أن البرنامج “لم يكن يعني يوماً الإطاحة بالحكومة في طهران، بل كان يهدف إلى تشتيت القادة أو خلق أزمة أمنية محتملة” .وفي مارس/آذار 2026، أفادت تقارير بأن الرئيس الأميركي دونالد ترامب عرض على القوى الكردية الإيرانية “غطاءً جوياً واسعاً” ومساعدات لوجستية مقابل المشاركة في عمليات ضد الحكومة الإيرانية . وذكرت “رويترز” أن هذه الميليشيات “تشاورت مع الولايات المتحدة حول ما إذا كانت ستهاجم قوات الأمن الإيرانية وكيف” . كما نقلت “واشنطن بوست” أن إدارة ترامب اتصلت بزعماء أكراد في العراق وبمجموعات معارضة إيرانية، وعرضت “دعماً جوياً ومساعدات لوجستية” .

غير أن هذه المساعي واجهت عقبات. فقد نفى نائب رئيس وزراء إقليم كردستان، قوباد طالباني، أن تكون واشنطن “تسلّح المعارضة الكردية الإيرانية”، مؤكداً أن حكومة الإقليم “أوضحت تماماً لجميع مجموعات المعارضة أنه من غير الحكيم أن تكون هذه المجموعات رأس الحربة وأن تشارك في صراع انطلاقاً من الإقليم” . كما نفت وكالة “تسنيم” الإيرانية والقنوات الكردية عبور أي مجموعات مسلحة إلى الأراضي الإيرانية .ومع ذلك، تشير تقارير إلى أن إسرائيل قصفت بنى تحتية عسكرية إيرانية على الحدود في إطار “هندسة” تهدف إلى تسهيل توغل هذه المجموعات . ويقول محللون إن هذه القوى مرشحة للعب “دور مساعد” في أي صراع واسع، من خلال “التوغل والتخريب والاستطلاع لصالح الضربات الجوية الأميركية والإسرائيلية” .

مطلب السيادة في مواجهة قيود بنيوية

ليوم “السيادة” دلالة رمزية، لكن السيادة الفعلية تواجه ثلاثة قيود كبرى: المالية المرتبطة بمنظومة الدولار واستحقاقات الرقابة الأميركية، وتفتّت القوة المسلحة بين فصائل المقاومة و”البيشمركة” وميليشيات المعارضة الكردية الإيرانية التي تستخدم أراضي الإقليم، والموقع بين فكي الصراع الإقليمي، حيث يشير المحللون إلى أن ملف السلاح لن “يصبح أسهل” إلا إذا توصّلت واشنطن وطهران إلى تسوية ما، وفي انتظار ذلك تبقى مساحة المناورة في بغداد محدودة جداً .

خلاصة

الانسحاب العسكري الأميركي من العراق واقع لا جدال فيه، لكن مساواة “الانسحاب” بـ”التخلي عن الهيمنة” قراءة خاطئة. فقد أبقت واشنطن رافعة مالية، وتعاوناً استخبارياً، وقوة لحماية منشآتها الدبلوماسية، وإطاراً أمنياً ثنائياً. والسؤال الحقيقي ليس إن كانت القوات الأميركية قد غادرت، بل هل يستطيع العراق، بعد فقدان “الغلاف” العسكري الأميركي، الحفاظ على حد أدنى من النظام بين مطالب فصائل المقاومة التي تعتبر سلاحها شرعياً ما دامت السيادة منقوصة، والتطلعات الكردية، والضغط التركي، وميليشيات المعارضة الكردية الإيرانية التي تعمل بأجندات أجنبية. ويبدو حتى الآن أن هذا الأمر يتوقف أكثر على مسار الصراع في الاقليم، لا على مساحة القرار في بغداد وحدها.