لم تكن أخطر الحروب التي خاضها المسلمون في العقود الأخيرة حروبًا عسكرية تقليدية، بل حروبًا جرى فيها اختطاف الدين نفسه وتحويله إلى أداة سياسية واستخباراتية.

وتنطلق هذه المقالة من أطروحة واضحة: إن التنظيمات الإرهابية التي اتخذت من الإسلام غطاءً لمشاريعها لم تكن سوى أدوات صُنعت أو وُظفت لخدمة أجندات خارجية، وإن القيادات التي تصدرت هذه التنظيمات كانت الحلقة الأساسية في عملية التوظيف؛ إذ جرى تقديمها للناس باعتبارها قيادات دينية، بينما كانت ـ وفق هذه الرؤية ـ مرتبطة بأجهزة ومشاريع استخباراتية أجنبية لا بمشروع إسلامي حقيقي.

وليس المقصود هنا أن الإسلام أنتج الإرهاب، بل العكس تمامًا: الإرهاب هو الذي جرى إلباسه ثوب الإسلام.فالخطوة الأولى في هذا المشروع هي اختيار القائد أو صناعة الظروف التي تسمح بصعوده، ثم منحه القدرة على التأثير والتجنيد والحركة.

وبعد ذلك تأتي الخطوة الأخطر: وضع الخطاب الديني في خدمة الهدف السياسي.عندها يصبح القائد قادرًا على تحويل الصراع السياسي إلى صراع عقائدي؛ فيُقدَّم الخصم باعتباره عدوًا للدين، وتُقدَّم الحرب باعتبارها واجبًا مقدسًا، ويُدفع الأتباع إلى تنفيذ ما يُطلب منهم دون أن يروا الصورة السياسية الكاملة التي تقف خلف المعركة.وهنا يتحول الإسلام من دين يُؤمن به الناس إلى عنوان تستخدمه جهة أخرى لإدارة الصراع.

والدليل التاريخي على قابلية هذا النوع من التوظيف ليس افتراضًا مجردًا. ففي أفغانستان، أقرت وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية بأن الولايات المتحدة قدمت للمجاهدين الأموال والأسلحة والمعدات، وأنها أقامت شبكة علاقات مع قادة محليين، وأن الدعم تصاعد خلال الثمانينيات إلى حد تزويدهم بصواريخ ستينغر.

لكن القضية الأهم ليست السلاح وحده؛ بل صناعة البيئة التي يصبح فيها السلاح قابلًا للاستخدام تحت شعار ديني.وهنا يظهر دور القيادات. فالقائد هو الذي يحول الدعم الخارجي إلى قوة داخلية، ويحوّل المال إلى تنظيم، والتنظيم إلى مقاتلين، والخطاب إلى تعبئة، والتعبئة إلى حرب.

ومن ثم فإن السؤال الحقيقي لا ينبغي أن يكون فقط: من حمل السلاح؟بل: من صنع القيادة التي أمرته بحمله؟ومن أين حصلت هذه القيادة على قوتها؟ ومن وفر لها المال والسلاح والمنابر والحماية؟ وما الجهة التي استفادت من النتائج التي صنعتها؟

هذه الأسئلة هي التي تكشف الفارق بين الإيمان بالدين واستخدام الدين.فليس كل من رفع القرآن ممثلًا للإسلام، وليس كل من تحدث باسم الجهاد صاحب مشروع ديني. قد يكون الشعار دينيًا بينما تكون الغاية سياسية، وقد يكون الخطاب إسلاميًا بينما تكون وظيفة القيادة تنفيذ أجندة لا علاقة لها بمصالح المسلمين.

وهنا تبلغ عملية التوظيف أخطر مراحلها: أن يُقنع الإنسان بأنه يموت من أجل عقيدته، بينما تُستخدم حياته لتحقيق هدف سياسي وضعه آخرون.

والأخطر أن هذه العملية لا تنتهي عند استخدام التنظيم.فعندما تحقق الأداة وظيفتها، يمكن أن تتحول إلى مشكلة يجب التخلص منها؛ فتبدأ مرحلة جديدة: صناعة العدو من الأداة نفسها، ثم محاربتها، ثم تقديم آثارها باعتبارها دليلًا على أن الإسلام والمسلمين هم مصدر المشكلة.

وبذلك تكتمل الدائرة:يُستخدم الدين لصناعة الأداة، وتُستخدم الأداة لضرب المجتمعات، ثم تُستخدم نتائج أفعالها لتشويه الدين نفسه.

وهنا لا يعود المسلم أمام معركة واحدة، بل أمام عمليتين في وقت واحد: عملية تستغل بعض أبنائه في الصراع، وعملية أخرى تستغل جرائم تلك الجماعات في بناء صورة نمطية عن الإسلام وأتباعه.

ومن هذه الزاوية، فإن التنظيمات الإرهابية ليست مجرد مجموعات مسلحة ينبغي دراسة جرائمها، بل ينبغي دراسة منظومة إنتاجها السياسي: القيادات، التمويل، التسليح، شبكات الاتصال، الغطاء السياسي، والجهات التي تتقاطع مصالحها مع وجودها.

ولا تكفي الإجابة عن سؤال: «من نفذ الجريمة؟»السؤال الأهم هو:من صنع الظروف التي جعلت هذا الشخص ينفذها؟ ومن أوصل ذلك القائد إلى موقع يستطيع فيه أن يحرك الآلاف؟ ومن كان ينتظر النتائج السياسية التي ستترتب على ذلك؟

إن أخطر ما يمكن أن يحدث لدين هو أن يتولى الحديث باسمه أشخاص يجعلون منه ستارًا لمشروع سياسي.

وعندها يصبح الدفاع عن الإسلام مقتضيًا كشف الفرق بين الإسلام كعقيدة ورسالة، وبين الإسلاموية المتطرفة حين تتحول إلى أداة للصراع والاستخبارات والحروب بالوكالة.

فالذي يريد فهم الإرهاب لا ينبغي أن ينظر فقط إلى السكين أو البندقية أو راية التنظيم.عليه أن ينظر إلى من يمسك بالخيط قبل أن يصل إلى يد المسلح.وهناك تبدأ القصة الحقيقية.