آدم كنعان كاتب فلسطيني

بعد أن اغتالت أجهزة الأمن الصهيوني الشهيد إبراهيم الراعي داخل زنزانته في سجن الرملة، أصدرت فرقة فنية فلسطينية شريطاً صوتياً (كاسيت) يجمع بين النثر والأغنيات حول حياة الشهيد البطل الإنسان. وردت في الكاسيت عبارة: “نيسان الفلسطيني جداً” وهو الشهر الذي اغتال فيه العدو إبراهيم. من هذه الكلمات تفتح وعيي على حقيقة مرجعية تأسيسية في آن. قدرنا أن نقيس أزمتنا بمواعيد الشهادة، أن تحمل شهورنا أسماءهم وعيونهم وملامحهم، وأن تتلوا الأيام علينا وصاياهم وتعيد على مسامعنا كلماتهم، وتضع قلوبنا في حالة انتظار دائم لاحتراق جديد.

من نيسان نمضي بقلبٍ أثخنته خطوات الراحلين على امتداد التقويم، نحو أيلول؛ مقلّب المواسم، وراسم خرائط الطيور ومعابر الرياح. الآن يا أيلول يحق لنا أن نحاكمك بقسوة، وأن نسائلك بكل ما أوتينا من عتب وغضب. يا أيلول، هل كان حزنك المعتّق الذي اكتسيته سحراً جمالياً منذ بدء الخليقة، معرفةً؟ إن الأدلة على تورطك في فاجعة قلوبنا صارت مكشوفة الآن، وأظنّك كنت منذ الأزل تحمل سرّ ذلك اليوم الذي فاضت فيه روح سيّد الشهداء. كنت تقترب من ذلك اليوم مرعوباً كل عام، لذلك، تتعرى أشجارك من أوراقها في طقسٍ من الزهد الصوفي، ويخبو ضوؤك كأنّه يخشى أن يكشف لنا موعد الفاجعة. كنّا نسمّيك خريفاً ونمضي. أمّا الآن فقد عرفنا أنّك حملت وعداً كونياً بأن تكون سماؤك شاهدةً على ذلك اليوم الذي تفجّرت فيه النبوّة إلى ألف رسالة. حملت وحدك وزر المعرفة عاماً بعد عام، وتركتنا لهول الصدمة.

لقد أحدثت يا أيلول صدعاً وجودياً في بنية الكون، وكذلك في وجدان البشرية منذ تفتحت عيوننا على ضوء أول نهار، وحولت “الحادثةَ” الزمنيّة إلى فيضانٍ يغمر فيه المطلقُ ضيقَ المحدود.

ارتقاء سيّد الأمة أسقط مقاييس الفقد المألوفة، وفرض انكشافاً فلسفياً باهراً ومربكاً، تعرّى معه العالم من رتابته، وتحطّمت قوالب إدراكنا المعتادة، ليقف وعيُنا القاصر يلهث أمام استحقاقٍ هائل، محاولاً اللحاق بنورٍ انسلخ عن كثافة الجسد ليصير قانوناً كونياً صارماً.

شهادة السيد الأسمى هي ذروة “التعيّن”، ذوبانٌ كاملٌ للذات في المطلق، واستحالةٌ للفناء الجسدي إلى برهانٍ قطعيّ يمنح الكينونة ثقلها النهائيّ عبر التماهي التام مع الحقّ. ومن هذا الشقّ المضيء الذي أحدثه ارتقاء السيّد في جدار الوعي البشري، تمضي أيامنا في معراجٍ شاقٍّ، نكدح لبلوغ مستوى الإرادة، ونشهد تحوّل الدم إلى قوةٍ جاذبة تُعيد بناء موازين الكون من جديد، ونعود محملين بذعر من فاجأته بداهة الحقيقة، إلى قراءة الصفحات الأولى للحياة والعشق والشهادة.

لذلك نقف اليوم على شرفات أيلول وفي حضرة شهيدنا الأسمى لنكتب إلى هؤلاء العاشقين القديسين. إلى الشهداء والفدائيين على دربهم، إلى الذين يستعصون على العدم، ويرفضون أن تكون حياتهم مجرّد عبورٍ بائسٍ نحو الموت. إلى تلك الفئة القليلة التي تواجه وحوش الفناء، وتسند أطراف الكون كي لا يتداعى. إلى الأكتاف المباركة التي ترفع سقف العالم لتنتصب الهامات. إلى الذين يحرسون نهارنا من العُري، وليلنا من الظلام، إلى هذه الفئة التي تحمل قداسة الأسرار فتجعل العالم، على فداحة الطغيان، مكاناً قابلاً للتخيل والأمل والمحبة.

وحتى يصبح العالم كذلك، علينا أن نعرف أولاً، أنّ الشهادة والفداء ليسا فعل غياب، بل فعلُ منحٍ وجوديٍّ يفيض بالبقاء العنيد، فالشهيد الذي ارتقى، والفدائيّ المقاتل في الميدان يهبان أمّتهما خلاصتهما المعنويةً كاملةً، يتركان لها المحبّة الصافية، والصدق العالي، والسموّ الداخلي، وما آمنا به من عدالةٍ وما أراداه للناس من حياة. كأنّهما يودعان سرّهما المقدّس في وجدان الجماعة، وينفخان الروح في رحمها لتسري في نسيج الثقافة، وتضبط إيقاع العلاقات، وتعيد تشكيل مخيّلة الأمة وتصوّراتها عن الإنسان والعالم.

هنا يتكشّف المعنى الأنقى للخلود، حين تستأنف تلك الذات المضحّية دورتها في حيوات الآخرين. تتحول محبّة الفدائي وثباته إلى طاقةٍ جمعيةٍ قادرة على العشق، ويصبح الإخلاص والوفاء خلقاً يوميّاً يحكم تعاملاتنا، وتنهض العدالة التي ارتقوا من أجلها لتصير بوصلة حية تأخذنا نحو الحق والخير والجمال كعنوان عضوي واحد للوجود.

هذا الحضور يتمدّد وتتّسع دوائر فاعليته، بمقدار ما يجد هذا العطاء صدوراً تتلقّاه وأكتافاً تنهض به.

من هنا، تتحدّد مسؤوليتنا الكبرى، نحن الذين نحمل وزر البقاء. تقتضي أمانة الدم أن نشرّع قلوبنا وعقولنا لاستقبال هذا الفيض، نتشرّبه ونصونه، ونحاول أن نتمثله ونصيره، أو أن نصير منه ما استطعنا إليه سبيلاً.

على شعوبنا أن تعيد ترتيب وعيها في ضوء هذه التجلّيات النورانية للشهداء والفدائيين، وتتّخذ من مآثرهم حجر زاويةٍ تبني عليه ثقافتها وتربيتها وروابطها الإنسانية. ففي قلب هذا البذل الخالص، تجد الفلسفات إجابتها اليقينية حين تسأل، وتؤسّس الحضارات معيارها الصارم لقيمة الكائن البشري. يبدأ الوفاء الحقّ من اللحظة التي نقبل فيها أن تتغيّر يومياتنا استجابةً لما تركوه، فتستعير أقوالنا من صدقهم، وتستلهم أحكامنا من إنصافهم، وتستمد علاقاتنا سخاءها من إيثارهم. نحن إزاء حقيقةٍ قاطعة لا تقبل المساومة: كلّ قبسٍ نستقبله منهم ونتمثّله في سلوكنا يمنحهم بقاءً متجدّداً، وكلّ مأثرةٍ نهدرها في غفلة العيش تصبح نكراناً بشعاً يصل إلى فعل الإبادة تجاه من يحمون بقاءنا.

الأمّة التي تحتضن مآثر شهدائها وفدائييها، وتصونها برموش العيون، تمتلك مرجعية أخلاقية واضحة، ومنظومة قيمية حاسمة لا مساحة فيها للرمادي ولا ثغرات يتسلل منها العدو بألف قناع وقناع، وتستند إلى بنية انتاج حية تولد فيها ومنها القيم، والأخلاق، والمعايير، والضوابط.

هذه الأمة تنتج حتماً فكراً أسمى، وتكتب شعراً أجمل، وتصوغ أدباً أكثر مسؤولية وإنسانية، لأن فعل الشهادة والبطولة يرسي المعايير الأعلى للقيمة في كل شيء. حين يقدم إنسانٌ حياته فداءً للمجموع، فإنه يعيد ضبط موازين المجتمع بأسره، ويجعل من التضحية المطلقة كشافاً يضع كل فعل بشري، وكل نتاج فكري أو اجتماعي، أمام امتحانه الحقيقي.

في حقول الفكر والفلسفة، يُنزل الفدائي الأسئلة الكبرى من سماء التجريد إلى أرض الواقع، فلا تعود العدالة أو الحرية أو الأخلاق نظريات للتأمل، بل حقائق مادية تعاش بالتحرر وتُنتزع باليقين. وفي الأدب والفن، تسقط الكلمات الجوفاء وتتلاشى البلاغة الاستعراضية، ليجد الكاتب نفسه ملزماً بالصدق الموجع، متخففاً من الترف اللفظي لصالح مسؤولية الكلمة وانحيازها التام للمقهورين. ويستمد الفنان من ثبات المقاتل المخيلة والإلهام ليرسم جماليات حاضر يستحق التضحية ويرسم ملامح القادم لا محالة. في المجتمعات التي تعيش بإرث الفداء والبطولة، كل فنٍّ يتنكر للعطاء يذوي وينطفئ بريقه، وكل فكرٍ يدير ظهره لهذه الجراح ينتهي إلى عزلةٍ قاحلة.

يعيد فعل الشهادة والفداء هندسة شكل الوجود الاجتماعي برمته، فمشهد التضحية المطلقة يفكك بنية الأنانية الفردية، ويخلق مجتمعاً تسوده ثقافة الشراكة والإيثار. حين يدرك الفرد أن هناك من يحمل روحه على كفه ليظل هو حياً، يهون عليه بذل الجهد والوقت والموارد. هكذا ينشأ التطوع والإيثار والعطاء، التزاماً عضوياً وواجباً يومياً يحاكي، ولو بحد أدنى، عطاء الفدائي. إن تجليات الشهادة والفداء تعيد صياغة ثقافة المؤسسة والفرد معاً. على مستوى الفرد، تتراجع النزعات الاستهلاكية وهواجس النجاة الشخصية لصالح يقظة الضمير الجمعي، يدرك المرء أن كرامته وحياته امتدادٌ لكرامة كلية يدافع عنها مقاتلٌ في الميدان. وعلى مستوى المؤسسة، يسقط المنطق البيروقراطي والنفعي الضيق لصالح مفهوم “الخدمة العامة” بمعناها الأرقى. تصبح المؤسسات هياكل مسؤولة تُقاس جدارتها بمقدار ما تقدمه للناس وتخفف عنهم، تماماً كما قاس الفدائي جدوى حياته بمقدار ما فدى بها وطنه. الأمّة التي تتنفس كينونتها من رئة مقاتليها، تدرك يقيناً أنّ الفكرة التي لا يحرسها الاستعداد التام للتضحية تسقط عند أول اختبار، وأن الجمال الحقيقي والأخلاق الأصيلة تولد تحديداً هناك، خلف ساترٍ ترابي، حيث يقف عاشقٌ يصدّ عنّا وحشة العالم ليمنحنا فرصةً أن نكون بشراً أحراراً.

في جدال بيني وبين الأصدقاء حول ضرورة الحضور الدائم لتجليات الشهيد والفدائي في الشعوب، قال لي: لا يمكن لأمة كاملة أن تلتزم بذكر الشهداء والفدائيين في كل نص وقصيدة، وفي كل حوار أو درس ومحاضرة، ولا يمكننا أن نلتزم برسم البنادق فقط في كل لوحة. كلام صديقي كان صحيحاً في منطقه المحض، لكن الحضور الدائم هنا لا يعني الذكر المجرد، بل استحضار كل قيمة وخلق ومقياس في كل فعل. أن يحمل النصّ أو الفعل شيئاً من صفاتهم، أن يكون صادقاً، جميلاً، عادلاً، وأن يدفع تصوّرنا للحياة نحو مزيدٍ من الحرية والإنصاف. أن تبقى تجلياتهم حاضرة في حساسيتنا تجاه الظلم، وفي رقّتنا تجاه الضعف، في صدق المحبة والصداقة، في الأمانة صغيرها وكبيرها، وفي إصرارنا على أن نمنح الحياة ما يجعلها جديرة بالعيش النبيل.

لنتأمل، ولو لبرهة قاسية، صورة العالم في غياب أمثلتنا العليا من شهداء وفدائيين. تخيلوا فضاءً بشرياً أُفرغ تماماً من فكرة الفداء، يصبح الكون مجرد جغرافيا موحشة، تنهار فوراً المظلة الأخلاقية التي تحمي المجتمعات من التفسخ. تسود شريعة الغاب. تُقاس قيمة الإنسان بمقدار ما يملكه من قوة للبطش أو قدرة على المداهنة. تصبح النجاة الفردية بأي ثمن هي العقيدة الوحيدة، ويتحول الناس إلى جزر معزولة يأكلها الشك وتنهشها الأنانية.

تتسيّد الرداءة واجهة المشهد، ويخرج تجار الأزمات وسماسرة الأوطان لتنظير الهزيمة. في عالم خالٍ من تجليات الشهيد والفدائي، يموت مفهوم العدالة ليصبح مجرد صكوك يكتبها القوي لتشريع ظلمه، وتهبط الإنسانية من مقامها الرفيع إلى مجرد قطيع يبحث عن استمرار بيولوجي أعمى، فاقد لأي مبرر وجودي.

غيابهم يعني ببساطة اكتمال مشروع الاستبداد، ونجاح الطاغية في كيّ الوعي وإقناع الضحية بعبثية الرفض. مسؤوليتنا المركزية الان كأمة بكل قدراتها ومواردها ونخبها ورموزها، أن نبقيهم أحياء في تفاصيلنا، في وعينا وفي لا وعينا أيضاً.

الوفاء لدمائهم هو ردُّ الجميل المتواضع أمام منحهم الأعظم والأسمى. هذا الوفاء يشكل فعل مقاومةٍ مستمر ضد آلة الاحتلال الأجنبي، وضد أن تجرفنا الحياة نحو قاع الرتابة والموت المقنّع. الاستسلام ليومياتنا الباردة خيانة لدمائهم. النسيان هزيمة. والحقيقة المطلقة، أننا أحياء حقاً بمقدار حضورهم فينا.

من أيلول سيد الأزمنة والمواسم، وحامل الرسالات وأسرار القداسة، سلامٌ عليكم يا سادة العشق. سلام على جراحكم وسلام على قلوبكم وسلام على جباهكم الناصعة مثل قلب النهار. سلام عليكم يا “أشرف الناس وأكرم الناس وأطهر الناس”.