برلين: حين تعود الأزمة من الهوية إلى الطبقة؟
د. طنوس شلهوب
ليست أهمية انتخابات برلين في 20 أيلول/سبتمبر 2026 في أن حزب اليسار (Die Linke) تصدّر النتائج فحسب، ولا في أنه حصل على 25.7% من الأصوات، متقدماً على الاتحاد الديمقراطي المسيحي (CDU) الذي حصل على 18.8%، وحزب البديل من أجل ألمانيا (AfD) الذي حصل على 16.3%، وحزب الخضر (Bündnis 90/Die Grünen) الذي حصل على 14.3%، والحزب الاشتراكي الديمقراطي (SPD) الذي حصل على 12.1%. الأهم أن هذه النتيجة جاءت في لحظة أوروبية تتجه فيها أزمات الرأسمالية، في كثير من الحالات، إلى التعبير عن نفسها من خلال صراعات هوياتية وقومية، بحيث يبدو المهاجر أو اللاجئ أو المسلم، في الخطاب السياسي اليميني، وكأنه مصدر الأزمة أو عنوانها. من هذه الزاوية، تبدو برلين حالة تستحق التوقف عندها.
فـ«حزب اليسار» لم يكتفِ بتجاوز نتيجته السابقة؛ بل أكثر من ضاعف حصته الانتخابية تقريباً، في حين تراجعت أحزاب الوسط التقليدية. وفي الوقت نفسه حقق «البديل من أجل ألمانيا» أفضل نتيجة له في برلين. أي أن الغضب من الواقع القائم لم يختفِ، ولم يتخذ اتجاهاً سياسياً واحداً؛ لكنه وجد في برلين، على نحو لافت، مساحة واسعة للتعبير من خلال خطاب اجتماعي يساري.
وهنا يبدأ السؤال الحقيقي.
عندما تتحول الأزمة من علاقة اجتماعية إلى هوية
في الأزمات الاقتصادية والاجتماعية لا تختفي التناقضات الطبقية؛ لكنها لا تظهر بالضرورة في وعي الناس بوصفها تناقضات طبقية. ارتفاع الإيجارات، تراجع القدرة الشرائية، هشاشة العمل، تدهور الخدمات العامة، صعوبة الحصول على السكن، والقلق على المستقبل، كلها تجارب مادية مباشرة. لكن هذه التجارب يمكن أن تأخذ أشكالاً أيديولوجية مختلفة. يمكن أن يقال للإنسان الذي يعجز عن العثور على مسكن مناسب إن المشكلة هي أن المهاجرين يأخذون المساكن. ويمكن أن يقال له، في المقابل، إن المشكلة تكمن في تحويل السكن إلى مجال لتراكم رأس المال والمضاربة العقارية. ويمكن أن يقال للعامل الذي يشعر بأن وضعه الاقتصادي يتدهور إن المشكلة هي الأجانب الذين ينافسونه على العمل. ويمكن أن يقال له، في المقابل، إن المشكلة ترتبط بعلاقة العمل نفسها، وبموقع قوة العمل داخل عملية الإنتاج، وبكيفية توزيع القيمة التي ينتجها العمل في ظل علاقات الملكية القائمة.
هنا لا يتغير الواقع المادي بالضرورة، وإنما يتغير تفسيره السياسي.
وهذه نقطة أساسية في فهم صعود اليمين الهوياتي في أجزاء واسعة من أوروبا. فاليمين لا يخترع بالضرورة القلق الاجتماعي من العدم. إنه يستطيع أن يأخذ تناقضاً حقيقياً، ثم يعيد صياغته بحيث ينتقل الصراع من علاقة بين العمل ورأس المال إلى علاقة بين «نحن» و«هم». وهكذا يصبح المهاجر، أو اللاجئ، أو المسلم، أو الاتحاد الأوروبي، أو «النخب»، وعاءً سياسياً تتجمع فيه مشاعر الغضب التي لها، في كثير من الأحيان، جذور اقتصادية واجتماعية أعمق.
لكن ذلك لا يعني أن قضايا الهجرة أو الهوية أو الاندماج مجرد وهم أيديولوجي. فهي ظواهر اجتماعية حقيقية لها أسبابها وآثارها. المسألة هي: هل تُفهم هذه الظواهر داخل علاقاتها الاجتماعية والمادية، أم تُحوَّل إلى تفسير شامل للأزمة يحجب علاقات الملكية والعمل التي تنتج جانباً مهماً منها؟
برلين: حين يصبح السكن علاقة اجتماعية
ما يجعل برلين مثيرة للاهتمام هو أن حزب اليسار (Die Linke) نجح في جعل السكن محوراً مركزياً في حملته. وهذا ليس اختياراً انتخابياً عابراً. فالسكن في مدينة مثل برلين ليس مجرد خدمة اجتماعية؛ إنه يقع عند تقاطع العمل والدخل والملكية ورأس المال العقاري والدولة. حين ترتفع قيمة العقارات والإيجارات، لا يواجه المستأجر مشكلة «أسعار مرتفعة» فحسب. إنه يدخل في علاقة اجتماعية محددة مع مالك العقار، ومع الشركات العقارية، ومع الدولة التي تنظم السوق وتحمي أشكالاً معينة من الملكية. ولهذا جعلت المرشحة الرئيسية لحزب اليسار، إليف إيرالب، أزمة الإيجارات في صلب حملتها، وربطت حلها بإخضاع أجزاء كبيرة من القطاع العقاري للسيطرة العامة ومواجهة المضاربة. وأظهر تحليل انتخابي لـARD أن السكن كان القضية الأولى لدى ناخبي حزب اليسار، في حين كانت الهجرة القضية الأولى لدى ناخبي حزب البديل.
هنا يمكن أن نرى الفرق بين مسارين سياسيين.
في المسار الأول، يأخذ الخطاب السياسي الضيق الاجتماعي ويعيد توجيهه نحو جماعة بشرية أخرى، فتصبح أزمة السكن، مثلاً، نتيجة لوجود المهاجرين. أما في المسار الثاني، فيعاد ربط الأزمة بالعلاقة الاجتماعية التي تحكم إنتاج السكن وتوزيعه، فتظهر الملكية العقارية والمضاربة وعلاقة الدولة بالسوق في قلب النقاش. وهذا لا يعني أن الناخب الذي صوّت لليسار أصبح بالضرورة واعياً طبقياً بالمعنى الماركسي. سيكون ذلك استنتاجاً أكبر من المعطيات. لكنه يعني أن التناقض المادي وجد هذه المرة قناة سياسية يسارية واسعة للتعبير عن نفسه. وهذا بحد ذاته مهم.
ليست «عودة الاشتراكية» بعد
من الخطأ تحويل النتيجة إلى إعلان عن «عودة الاشتراكية إلى ألمانيا». فالمجتمع البرليني لا يتحرك في اتجاه أيديولوجي واحد. إلى جانب صعود حزب اليسار، حقق حزب البديل أفضل نتيجة له في المدينة، بينما تراجعت أحزاب الوسط التقليدية. وبذلك تبدو النتيجة أقرب إلى إعادة توزيع للغضب السياسي على أطراف مختلفة منها إلى تحول أيديولوجي موحد. وهذا يظهر بصورة أوضح عندما نقارن برلين بولاية مكلنبورغ-فوربومرن.
في اليوم نفسه، تصدر حزب البديل من أجل ألمانيا (AfD) انتخابات الولاية في الشمال الشرقي بأكثر من 38%، بينما تراجع الاتحاد الديمقراطي المسيحي (CDU) إلى ما دون عتبة 5%، وفقد بذلك تمثيله في برلمان الولاية. وفي الوقت نفسه استفاد حزب البديل من أصوات ناخبين كانوا يصوتون سابقاً للحزب الاشتراكي الديمقراطي وللاتحاد الديمقراطي المسيحي. الولايتان تخضعان للنظام الرأسمالي نفسه والدولة الاتحادية نفسها، لكن الأزمة لا تجد التعبير السياسي نفسه. في برلين تصدر حزب اليسار. وفي مكلنبورغ-فوربومرن تصدر حزب البديل. وهنا نصل إلى السؤال الأصعب.
لماذا لم يتحول الإحباط في الشرق إلى يسار؟
ربما تكون هذه هي النقطة الأكثر أهمية لفهم الخريطة السياسية الألمانية الراهنة. قد يبدو للوهلة الأولى أن سكان ألمانيا الشرقية، الذين عاشوا عقوداً في ظل نظام اشتراكي ثم اختبروا الرأسمالية بعد الوحدة، كان يفترض أن يتجهوا، مع تراكم الخيبات الاجتماعية، نحو اليسار. لكن التاريخ لم يسر بهذه الطريقة. والسبب أن الانتقال من جمهورية ألمانيا الديمقراطية إلى ألمانيا الاتحادية لم يكن بالنسبة إلى ملايين الناس انتقالاً نظرياً من «نظام اقتصادي» إلى آخر. لقد كان انقلاباً في شروط الحياة والعمل والمكانة الاجتماعية. انهارت مؤسسات ومصانع، وفقد كثيرون وظائفهم أو مواقعهم المهنية، وتغيرت أنماط الملكية والإدارة، وجرى إدماج اقتصاد ألمانيا الشرقية في الاقتصاد الغربي بشروط لم تكن متكافئة. وبقيت آثار هذا التحول ظاهرة في الثروة والدخل والمكانة الاجتماعية بين الشرق والغرب حتى اليوم. لكن هنا تظهر مفارقة مهمة. الخيبة من الرأسمالية لا تعني بالضرورة العودة إلى الاشتراكية، إذا كانت الاشتراكية نفسها قد ارتبطت في الذاكرة بتجربة سياسية فقدت شرعيتها.
بالنسبة إلى شخص عاش انهيار جمهورية ألمانيا الديمقراطية، قد لا تكون الاشتراكية في ذاكرته مجرد فكرة عن الملكية العامة والعدالة الاجتماعية. قد ترتبط أيضاً بالدولة والحزب والبيروقراطية. وعندما جاءت الوحدة ثم الرأسمالية، لم تختفِ هذه الذاكرة؛ بل أصبحت جزءاً من تفسير التجربة الجديدة. وهكذا يمكن أن يجد الإنسان نفسه في وضع مفارق: غير راضٍ عن الرأسمالية، لكنه لا يرى في الاشتراكية بصيغتها التي عرفها سابقاً بديلاً قابلاً للعودة. وهنا يملأ اليمين الفراغ.
من الخيبة الاجتماعية إلى الإحساس بالتهميش
في جزء من ألمانيا الشرقية نشأ، مع مرور الوقت، شعور بأن الوحدة لم تكن اندماجاً متكافئاً بقدر ما كانت إدماجاً في نظام اقتصادي ومؤسساتي تحددت قواعده أساساً في الغرب. وهذا الشعور لا يمكن اختزاله في «الحنين إلى ألمانيا الديمقراطية»، ولا في العنصرية، ولا في سوء الفهم السياسي. إنه يتصل أيضاً بالمكانة الاجتماعية والاقتصادية، وبالثروة، وبفرص العمل، وبالإحساس بأن القرارات الكبرى تُتخذ بعيداً عن المنطقة وسكانها.
وتشير تحليلات ودراسات حول الهوية السياسية في شرق ألمانيا إلى استمرار فروق مهمة في الثروة والمواقف السياسية والشعور بالتمثيل بين الشرق والغرب. وفي 2023، مثلاً، كان متوسط صافي ثروة الأسر في شرق ألمانيا، بما في ذلك برلين، أقل كثيراً من نظيره في الغرب. وهنا يمكن فهم أحد مصادر قوة الخطاب اليميني. فاليمين العنصري يستطيع أن يأخذ الشعور الحقيقي بالتهميش، لكنه يعيد تفسيره على أساس هوياتي: لقد خسرتم لأن النخب تجاهلتكم، ولأن الغرب فرض عليكم نموذجه، ولأن المهاجرين ينافسونكم، ولأن الدولة تنفق عليكم وعلى غيركم، ولأن الهوية التي كانت تجمعكم تتعرض للتفكك. وهكذا تتحول الخيبة من علاقة اجتماعية واقتصادية إلى صراع حول الانتماء. إنه لا يلغي الواقع المادي؛ بل يعيد تفسيره.
لكن لماذا لم ينجح اليسار في تقديم تفسير بديل؟
ليس صحيحاً أن اليسار كان غائباً عن ألمانيا الشرقية. فـحزب الاشتراكية الديمقراطية (PDS)، الذي خرج منه لاحقاً حزب اليسار، احتفظ تاريخياً بقاعدة قوية في الشرق، ولا يزال حزب اليسار حاضراً هناك. لكن امتلاك خطاب اجتماعي لا يكفي وحده لبناء وعي طبقي. فاليسار واجه عبئاً تاريخياً ثقيلاً: الارتباط الرمزي بالإرث السياسي لجمهورية ألمانيا الديمقراطية. وبدلاً من أن تتحول تجربة ما بعد الوحدة إلى نقد ماركسي للرأسمالية الجديدة، كان من الممكن أن تُقرأ لدى قطاعات من المجتمع باعتبارها انتقالاً من نظام غير محبوب إلى نظام آخر مخيب للآمال.
وهنا وجد اليمين فرصة نادرة: لم يكن عليه أن يقنع الناس بأن الرأسمالية مثالية. كان يكفيه أحياناً أن يقنعهم بأن البديل اليساري أسوأ أو غير موجود أصلاً، ثم يقدم نفسه بوصفه أداة للاحتجاج على النظام القائم. وهذا يفسر، جزئياً، لماذا يمكن لشخص أن يكون ناقماً على وضعه الاقتصادي، وأن يشعر بأن النظام السياسي لا يمثله، ثم يصوت لحزب يميني لا يقدم تغييراً في علاقات الملكية، بل يعيد توجيه غضبه نحو الهجرة والهوية والسيادة.
الأزمة لا تنتج الوعي السياسي بصورة آلية
ليس هناك انتقال ميكانيكي من الأزمة الاقتصادية إلى الوعي الطبقي ثم إلى اليسار. لو كان الأمر كذلك، لكان صعود اليمين في أوروبا لغزاً. العلاقة أكثر تعقيداً. تبدأ من العلاقة المادية، ثم تتحول إلى تجربة اجتماعية، وهذه التجربة تحتاج إلى تفسير، ومن خلال الصراع السياسي والتنظيم يمكن أن تتحول إلى وعي وممارسة جماعية. والمرحلة الحاسمة هنا هي تفسير التجربة. قد يعيش عامل ألماني ومهاجر يعملان في المدينة نفسها، ويواجهان ارتفاع الإيجارات والأسعار نفسها، وتراجعاً في الخدمات نفسها، لكنهما قد يفسران واقعاً مشتركاً بطريقة مختلفة. يمكن أن يقال لهما إنهما يتنافسان على الموارد لأن أحدهما ينتمي إلى «الجماعة الخطأ». ويمكن أن يقال لهما إنهما يواجهان علاقة اجتماعية واحدة تجعل السكن والعمل والخدمات خاضعة بدرجات مختلفة لمنطق الربح والملكية. في الحالة الأولى، ينقسم المتضررون من الواقع المادي إلى جماعات متنافسة. وفي الثانية، يمكن أن تتشكل بينهم مصلحة اجتماعية مشتركة. وهنا تحديداً تكمن أهمية السياسة والتنظيم.
الهوية ليست وهماً خارج المادة
لكن لا ينبغي، في المقابل، أن نفهم الهوية باعتبارها مجرد قشرة أيديولوجية يمكن إزالتها بسهولة. الهوية نفسها تتكون داخل التاريخ والممارسة والعلاقات الاجتماعية، ثم تعود لتؤثر في الواقع. قد تبدأ الأزمة من علاقة مادية، لكنها تنتج معنى اجتماعياً؛ ثم يتحول هذا المعنى إلى هوية، وتصبح الهوية قوة سياسية قادرة بدورها على إعادة تنظيم العلاقات الاجتماعية. وهكذا لا تكون العلاقة بين المادة والهوية علاقة بسيطة بين «واقع حقيقي» و«وهم أيديولوجي»، بل علاقة جدلية تتفاعل فيها العلاقات المادية مع المعاني والممارسات والمؤسسات.
وهذا مهم خصوصاً في الحالة الألمانية الشرقية. فالهوية الشرقية نفسها تشكلت خلال تجربة تاريخية مركبة: دولة اشتراكية، ثم انهيارها، ثم الوحدة، ثم إعادة الهيكلة الرأسمالية، ثم الإحساس المستمر بالفارق مع الغرب. ومن الخطأ أن نطلب من هذه التجربة أن تنتج تلقائياً وعياً طبقياً بالمعنى الذي نتوقعه نظرياً.
برلين والشرق: تناقضان داخل الأزمة نفسها
وهنا ربما تكمن المفارقة الأهم في انتخابات 20 أيلول/سبتمبر. في برلين، استطاع حزب اليسار أن يجعل السكن أحد أهم مفاتيح تفسير الأزمة. وتشير تحليلات الانتخابات إلى أن قضية السكن كانت مركزية لدى ناخبيه، وأن الحزب استفاد أيضاً من استقطاب جزء من الذين كانوا لا يشاركون عادة في التصويت. وفي مكلنبورغ-فوربومرن، استطاع حزب البديل أن يستقطب جزءاً مهماً من الغضب الاجتماعي والسياسي، بما في ذلك ناخبين سابقين للحزب الاشتراكي الديمقراطي والاتحاد الديمقراطي المسيحي. لا يعني ذلك أن الناخبين في الحالتين يعيشون الظروف نفسها أو أن دوافعهم واحدة. لكنه يوضح شيئاً أكثر أهمية: الأزمة المادية لا تحمل في داخلها، بصورة آلية، شكلها السياسي. إنها تفتح مجالاً للصراع على تفسيرها.
في برلين أمكن، في هذه الانتخابات، أن يجري ربط جزء من الأزمة بعلاقات الملكية والسكن. وفي الشرق الألماني أمكن لليمين العنصري أن يربط جزءاً كبيراً منها بالهوية والهجرة والمركز الغربي والنخب السياسية. وهذا هو الصراع الحقيقي. ليس فقط الصراع على الأصوات، بل الصراع على المعنى السياسي للأزمة.
من «نحن وهم» إلى «من يملك؟»
لذلك فإن السؤال الذي ينبغي أن يواجهه اليسار الأوروبي ليس فقط: كيف نمنع صعود اليمين؟ بل سؤال أكثر عمقاً: كيف نعيد صياغة التناقضات الاجتماعية بحيث يستطيع المتضررون من النظام أن يروا مصالحهم المشتركة، بدلاً من أن ينظر بعضهم إلى بعض باعتبارهم مصدر المشكلة؟ السكن مثال واضح. يمكن أن تكون القضية صراعاً بين السكان والمهاجرين. ويمكن أن تكون صراعاً بين المستأجرين ورأس المال العقاري. العمل مثال آخر. يمكن أن يصبح العامل المحلي والعامل المهاجر منافسين يتصارعان على الأجر وفرصة العمل. ويمكن أن يكتشفا أن خفض شروط العمل والأجور لا يخدم أياً منهما، وأن المشكلة ترتبط بموازين القوة في سوق العمل وبقدرة رأس المال على استخدام المنافسة بين العمال. هنا تبدأ إمكانية الانتقال من الهوية المتصارعة إلى المصلحة المشتركة. ولا يحدث ذلك بالخطابة وحدها، بل يحتاج إلى تنظيم سياسي ونقابي واجتماعي قادر على تحويل المصالح المشتركة إلى ممارسة.
المفارقة الألمانية
لذلك ربما تكون القراءة الأكثر دقة لانتخابات 20 سبتمبر هي أنها لا تثبت أن ألمانيا تتجه إلى اليسار، ولا أنها تتجه ببساطة إلى اليمين. إنها تكشف أن المركز السياسي الألماني يتعرض لضغط متزامن من اتجاهين متناقضين. من جهة، يتقدم حزب البديل من أجل ألمانيا مستفيداً من قدرته على تحويل أجزاء من القلق الاجتماعي إلى خطاب قومي وهوياتي. ومن جهة أخرى، يتمكن حزب اليسار في برلين من تحويل جزء من هذا القلق إلى خطاب اجتماعي يركز على السكن والملكية والخدمات. وفي الحالتين، هناك تراجع للأحزاب التقليدية في الوسط، وتزايد في قدرة القوى الموجودة على أطراف المشهد على جذب الناخبين الساخطين. وقد لخصت تحليلات الانتخابات في برلين ومكلنبورغ-فوربومرن هذا الاتجاه بوضوح: الأطراف تتقدم، بينما تخسر أحزاب الوسط.
ومن هنا يصبح السؤال: أي تفسير للأزمة يستطيع أن يتحول إلى وعي وتنظيم وقوة سياسية؟
برلين: استثناء أم بداية؟
ربما يكون من المبكر الإجابة. فنتيجة انتخابية واحدة لا تكفي لإثبات تحول تاريخي، كما أن خصوصية برلين، بما فيها أزمة السكن وتركيبتها السكانية وارتفاع نسبة السكان المستأجرين، تجعل تعميم التجربة على ألمانيا كلها أمراً غير مشروع. لكن برلين قدمت شيئاً مهماً: دليلاً انتخابياً على أن الأزمة الاجتماعية في قلب أوروبا الرأسمالية يمكن، في ظروف معينة، أن تُستثمر سياسياً من خلال خطاب يعيدها إلى قضايا الملكية والدخل والسكن والخدمات، بدلاً من اختزالها في الهوية والهجرة.
وفي المقابل، تقدم ألمانيا الشرقية درساً لا يقل أهمية: الخيبة من الرأسمالية لا تكفي وحدها لإنتاج عودة إلى اليسار، خصوصاً عندما تكون ذاكرة الاشتراكية نفسها مثقلة بتجربة تاريخية فقدت شرعيتها لدى قطاعات من المجتمع.
وهكذا فإن برلين والشرق الألماني لا يقدمان جوابين متناقضين عن سؤال واحد بقدر ما يكشفان عن الشرط الذي يسبق الوعي السياسي. فالرأسمالية، عندما تدخل أزمات عميقة، لا تنتج وعياً طبقياً تلقائياً. إنها تنتج مجالاً من التناقضات يمكن أن يعاد تنظيمها سياسياً في اتجاهات مختلفة. يمكن أن تتحول الأزمة إلى صراع حول «نحن» و«هم». ويمكن أن تتحول إلى سؤال مختلف تماماً: من يملك؟ ومن يعمل؟ ومن يستحوذ على الثروة؟ ومن يحدد شروط توزيعها؟ بين السؤالين مسافة سياسية هائلة.
ولعل ما يجعل برلين جديرة بالاهتمام ليس أنها أجابت عن السؤال، بل أنها أعادت طرحه أمام أوروبا كلها: هل تستطيع الأزمة الرأسمالية أن تعود، ولو جزئياً، من ميدان الهوية إلى ميدان الطبقة؟ الانتخابات لم تعطِ الجواب النهائي. لكنها أظهرت أن السؤال لم يمت.
