انبعثت شرارة الوعي الثوري في روح الفدائي الأممي أنطوان داود “أنتونيو التلحمي” منذ نشأته في مغتربه بكولومبيا، ليعود إلى وطنه الأم عام 1936 ملبياً نداء الثورة الفلسطينية الكبرى ضد الاستعمار البريطاني والمخططات الصهيونية. بذكاء عسكري حاد، نجح في اختراق أجهزة الانتداب والانخراط في سلك الشرطة، محولاً وظيفته إلى غطاء استخباراتي بالتعاون مع خلايا المقاومة، حيث تولى نقل التحركات العسكرية الحساسة للعدو، وتأمين ممرات سرية لتهريب السلاح والمقاتلين عبر الحواجز، ليكون العين الساهرة للثورة في قلب معسكرات المستعمر.
بلغت عبقريته القتالية ذروتها في الحادي عشر من آذار عام 1948، حين قاد وخطط لعملية زلزلت أركان المشروع الصهيوني وبتكليف مباشر من القائد عبد القادر الحسيني. استغل التلحمي عمله سائقاً بالقنصلية الأمريكية ليعبر بسيارة دبلوماسية مفخخة بالمتفجرات مخترقاً الحواجز الأمنية المشددة، ليدرأ بها الوكر الرئيسي والمنيع لـ “الوكالة اليهودية” في القدس المحتلة.
أسفر هذا الهجوم الاستشهادي الجريء عن تدمير معقل التآمر الاستعماري ومصرع وجرح العشرات من قيادات العصابات الصهيونية، واضعاً صفعة مدوية في وجه أجهزة أمن الاحتلال.لم تكن النكبة إلا وقوداً أشعل جذوة الكفاح الأممي في صدره، فغادر مرغماً صوب أمريكا اللاتينية ليصبح رفيق الدرب الموثوق للقائدين فيدل كاسترو وتشي جيفارا في خنادق “الثورة الكوبية”، متولياً تدريب المقاتلين على حرب العصابات قبل أن يرافق جيفارا إلى أحراش بوليفيا لمقارعة الإمبريالية.
مع بزوغ فجر الثورة المعاصرة، عاد ليلتحق بصفوف الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين واضعاً خبراته العالمية تحت تصرف البندقية الفلسطينية، وظل ثائراً صلباً حتى ترجل فارساً في الكويت عام 1969، تاركاً إرثاً يثبت أن خنادق مواجهة الظلم جبهة واحدة لا تتجزأ مهما تباعدت الجغرافيا.
