انتصار الخيمياء: عندما يهزم التدبير الماهر قوة الفيزياء الغاشمة
حسن بن عمارة-تونس
عندما تنتصر خيمياء الشعوب الحرة على فيزياء استعباد الشعوب وقهرها، يجب علينا البحث عن مصادر قوتها، والغوص عميقًا لفهم سُنن الاستبدال.
في كثير من الأحيان، تكشف لنا الحروب عن محطات مهمة لمتانة الشعوب وقوة انتمائها، لتلهمنا إرادة البحث عن التحولات الطارئة على فيزياء الكم، ومن يقدر على امتلاك القوة. وليس بالضرورة أن تواجه فيزياء من نفس السنخ ومستواها لتغيير مراكز القوى، بل يمكن للخيميائي أن يغير المعادلات ويقلب المفاهيم. ومن يملكها تُحسب له قوة مضاعفة يتحدى بها الصعاب، وإن كانت حروبًا.
من الأشياء التي تكشف انقلاب معادلة القوة الجديدة، ما أفرزته هذه الحرب، هو استرسال هذيان أثول البيت الأبيض، حيث لم يترك كلمة بذيئة ولا مستوى متدنيًا لم يستعمله، وهو خلاف الأعراف الدبلوماسية ولياقة رؤساء يحكمون العالم المتحضر.
خيمياء الانتصار الجديد كانت حاضرة منذ القدم في الصراعات، لكن الاعتماد المفرط للجبابرة على الفيزياء يعمي أبصارهم عن فهمها. والخيمياء قوة ديناميكية متجددة تسكن الإنسان المتين، يمكن لطرف أن يدركها ويُحسن التصرف بها، ولآخر أن يهملها.
تنكشف منعرجات سقوط الفيزيائي عندما يستصغر عدوه الخيميائي، فتكون الطامة الكبرى حين لا يعرف أن الخيميائي يهتم بجزء من الجزء من المعارك، ويتميز بعقل مقاوم ومدافع عن حقه، ومتأنٍ بالصبر الاستراتيجي، ومراقب شرس للأحداث بعمق سُنن التحولات التاريخية، ليصبح من عظمائه.
ما تعيشه الفيزياء الأمريكية، أن عدوها الجديد بات قادرًا على أن يتصرف بالندية: بقوة تخطيط واستعداد متجدد، ودقة عالية في تحديد الملفات والاستهدافات، وتضحيات كبيرة مع تكلفة زهيدة للغاية. في المقابل، يتحرك الأمريكي بتخبط وتضارب في الأهداف، وهو غير مستعد للتضحيات الجسام، والتكلفة أعلى بكثير عليه من الخصم، مع إعلانه رسميًا قبل أيام أن مديونيته تجاوزت الـ40 تريليون دولار.
هنا يدخل عامل الزمن كعنصر قوة لمن يتحكم بتغيير المعادلة. وما يجري هذه الأيام ليس هدنة بين أمريكا وإيران، بل حرب استنزاف بإيقاع استراتيجية الزمن الغالب. وكلما طالت المعركة ارتفعت فاتورة الحرب، ليصبح الرهان ميالًا إلى كفة الخيميائي، لأنه مستعد للتضحيات أكثر من غيره.
من الواضح أن طهران تحضّرت لهذه الحرب بخطط بديلة سياسية وعسكرية واقتصادية، ومن عملية استيعاب الاستهداف الأول لقيادات الثورة وقلب نتائجها لصالحهم، كانت الأمور تجري بالسياق الذي يرغبون فيه.
الفرق كبير في استدراك النصر بين من يراه دون خوف من الموت وآخر يهرب منه… فشهيد رمضان رابط في مكتبه رغم علمه باستهدافه، وترامب بمجرد الشك به اختبأ في عربة للمأكولات للهروب! كما أن سياسة الصمت المفهوم في الأزمات من اختصاص من يعمل على حياكة الكاشاني.
دخل ترامب الحرب بفيزياء التعالي، ليس فقط دون استراتيجية للخروج منها، بل حتى ما خطط له وزير حربه كان فيه الكثير من الأخطاء والجهل بما يمتلكه خصمه من إمكانيات، حتى اكتشفنا أن أغلب خططه استوعبتها طهران، ولا يعرف هل كان اختراقًا أم استباقًا استشرافيًا.
لقد ألحق الإيرانيون بأمريكا أضرارًا جسيمة، منها التكتيكي الميداني، ومنها ما هو استراتيجي سيظهر للرأي العام في المستقبل القريب والبعيد. وحجم هذه الأضرار أخفاه البيت الأبيض إلى حد الآن، والحملة الإعلامية لانتخابات النصف الأمريكية كفيلة بكشف الكثير من ملفات هذه الخسائر.
تعيش إيران عقوبات اقتصادية كبيرة منذ عام 1979، ومع ذلك تمكنت من تطوير ترسانتها من صواريخ وطائرات مسيرة، وهذا ما استخلصته من الحصار الأول ومن الحرب العراقية الإيرانية، وما تعلمته من دول تدّعي الحريات وحقوق الإنسان وترفض بيع أدوية للمرضى في إيران.
كانت إيران أدق من العدو باستهدافاتها، حيث دمرت مراكز القوة من مراقبة ورادارات وقيادة ولوجستي ومخازن، واستنزاف لصواريخ ثاد، واستهداف لكروز والتوماهوك، حتى تقطع كل منسوب القوة للخصم ولا يتمكن من السيطرة. ونجحت حتى في تحديد هُدن إيقاف الحرب ومواقيتها.
أخرجت إيران حاملة الطائرات لينكوان وتوابعها من الخدمة عندما استهدفت شريان إمدادها اللوجستي في البحرين بعد اليوم الأول من الحرب، حينها لم يفهم أغلب المتابعين هذا الاستهداف، مما اضطر الجيش الأمريكي للاعتماد على قاعدة دييغو غارسيا البريطانية كمركز إمداد، وهي تبعد 4300 كيلومتر عن بؤرة توتر الخليج.
إن صواريخ «فتاح» و«خيبر شكان» وما يخفيه الإيراني إلى حد الآن، عُمل عليه منذ عشرات السنين ضمن استراتيجية الدفاع المقدس، مما جعل من تقنية الصواريخ والمسيرات السلاح الأبرز في هذه الحرب، بما تحمله من دلالات على تغير وسائل الحروب وقدرة تقويض ردع العدو لقلب المعادلة.
