أعادت التعديلات القانونية الأخيرة الصادرة بقرار بقانون عن الرئاسة الفلسطينية صياغة قواعد اللعبة السياسية في الساحة المحلية، واضعةً الفصائل والقوى الوطنية والإسلامية أمام اختبار تاريخي معقد ومصيري. لم تعد الانتخابات التشريعية مجرد آلية ديمقراطية لتجديد الشرعيات، بل تحولت إلى محطة مفصلية تمس جوهر البرامج والمبادئ التي تأسست عليها هذه القوى، خاصة في ظل سعي السلطة القائمة لإعادة تدوير “الأولغارشية” الحاكمة عبر قوالب وشروط ديمقراطية وصفتها أوساط معارضة بأنها تهدف لإقصاء الخصوم وتثبيت الوضع الراهن.
تتمحور المعضلة الأساسية حول الاشتراطات السياسية الجديدة التي فُرضت كقيد إلزامي للترشح، حيث يُلزم القانون أي قائمة بتقديم إقرار خطي واضح يتضمن الالتزام بمنظمة التحرير الفلسطينية كممثل شرعي ووحيد، والالتزام ببرنامجها السياسي وبثوابتها الوطنية والاتفاقيات الدولية المقرة منها. هذا النص ينقل الاعتراف بالمنظمة من حيز التوافق الوطني العام إلى حيز الإلزام القانوني الإقصائي، حيث لا يُقبل طلب ترشح أي قائمة دون توقيع هذا التعهد؛ وهو شرط يحمل في طياته فخاً سياسياً، إذ يمكن أن يُعتبر اعترافاً بأوسلو بطريقة غير مباشرة، كونه يُلزم المرشحين بالاتفاقيات المقرة من المنظمة وعلى رأسها اتفاقية أوسلو وتفرعاتها الأمنية والاقتصادية.
في كواليس المشهد السياسي، يدور حديث (غير مؤكد وغير صادر عن الفصائل) عن إمكانية ولادة تحالف عريض يضم حركتي حماس والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، إلى جانب ما يُعرف بـ”التيار الإصلاحي الديمقراطي” في حركة فتح وناصر القدوة. هذا السيناريو المطروح يهدف بالأساس إلى تشكيل جبهة موحدة قادرة على وقف تفرد النخبة “الأوسلوية” المتنفذة وتحدي شروطها، مستنداً إلى التقاء المصالح في ضرورة إحداث تغيير جذري في بنية السلطة، وإعادة صياغة المشهد السياسي عبر تحالف عابر للأيديولوجيات يسعى لتفكيك الاحتكار القائم لصنع القرار الفلسطيني بنوع من الثورية في وجه السلطة.
ومع ذلك، فإن هذا التحالف المقترح لا يمر دون عقبات داخلية كبرى، حيث يواجه تحفظات شديدة ومعارضة علنية من بعض الأجنحة الراديكالية والتيارات العقائدية داخل حماس واليسار الفلسطيني ترفض المشاركة أصلا. هذه الأطراف ترى أيضا في التحالف مع تيار محمد دحلان وغير دحلان خطاً أحمر وتراجعاً عن مبادئ طالما شكلت جوهر هويتها السياسية، معتبرة أن البراغماتية السياسية لا يجب أن تصل إلى حد التحالف مع رموز ارتبطت بملفات خلافية حادة في الذاكرة الفلسطينية، حتى لو كان الهدف هو التخلص من تفرّد التيار الحاكم.
في المقابل، فإن قرار المقاطعة والنأي بالنفس عن المشهد التشريعي خوفاً من التورط في اعتراف غير مباشر بأوسلو لا يقل خطورة، بل قد يترتب عليه أثمان باهظة تمس الوجود المؤسساتي للفصائل. المقاطعة تعني إخلاء الساحة بالكامل للتيار المتنفذ داخل السلطة والمنظمة، مما يمنحه تفويضاً كاملاً ومريحاً لصياغة القوانين، وتمرير السياسات، وإدارة المال العام دون أي رقابة، ويسهل في الوقت ذاته الاستفراد بالفصائل المقاطعة وتجريم أنشطتها تحت مسميات الخروج عن القانون والشرعية الدولية المقرة ضمن شروط الترشح.
تقف الحركة الوطنية الفلسطينية اليوم عند مفترق طرق لم تشهده منذ عقود؛ فإما الذهاب إلى صناديق الاقتراع بتحالف براغماتي ثوري يكسر احتكار الأولغارشية لكنه يصطدم بسندان التوقيع على ما قد يُفسر اعترافاً ضمنياً بأوسلو والتحفظات الراديكالية على طبيعة التحالفات، وإما المقاطعة الصارمة وفاءً للشعارات مع تحمل كلفة الغياب الكامل وترك مصير الشعب الفلسطيني لتيار واحد بمفرده، ليبقى السؤال مفتوحاً لوعي القارئ حول أي المسارين يمثل المواجهة الحقيقية وأيهما يخدم المصلحة الوطنية العليا.
أبو الأمير_القدس