في أطراف أنصار، وعلى تخوم علي الطاهر الشامخ، وفي كفرتبنيت، وزوطر، والخيام، والمنصوري؛ لا تضع الحرب أوزارها، بل تحفر في صخر الجبال إرادة أمة لا تموت. تفجيرات عنيفة تهز الأرض، قصف مدفعي لا يتوقف، وغارات متواصلة تستهدف الحرش والسهول والسيارات المسعفة، في مشهد متجدد من الهمجية الصهيونية التي تصطدم بصخرة صلبة اسمها: المقاومة.
هناك، حيث يُسطر الرجال ملاحم البطولة، تتقاطع دماء الشهداء مع صرخة الخلود: “أولسنا على حق؟ لا نبالي أوقَعنا على الموت أو وقع الموت علينا.. الحياة وقفة عز فقط”.
الميدان يقلب المعادلات: فقاعة الردع المزعومة تنفجر
إن العقل التحليلي النافذ يرى بوضوح كيف تحولت معادلات الصراع. العدو الصهيوني الذي طالما تبجح بقدراته وبث رعب آلته العسكرية في النفوس الواهنة، يواجه اليوم حقيقة مرة تعكسها أرقامه الرسمية المفزعة؛ 26 ألف إصابة في جيش الاحتلال تتلقى العلاج حالياً بين إعاقات بدنية وإصابات نفسية واضطرابات ما بعد الصدمة، فضلاً عما انتهى علاجه.
أمام هذه الخسائر المهولة، يتهاوى التهويل الإعلامي والنفسي للعدو أمام مخرز المقاومة. وهنا يبرز السؤال المصيري:
هل من حق المهزوم أن يضع شروطه؟ أو أن يكون شريكاً في رسم معالم المرحلة المقبلة؟
لقد أثبت الميدان أن سلاح الاحتلال ووهمه العسكري لم يكونا سوى فقاعة انفجرت في وجه صلابة الميدان، ليصبح السؤال عن قدرة المهزوم على الإملاء والإمساك بزمام المبادرة عبثاً سياسياً ونفسياً لا طائل منه.
الانفصام اللبناني: دماء في الجنوب ومناكفات في العواصم
بينما ترتجف الأرض تحت أقدام الغزاة وتزلزل الانفجارات ربوع الجنوب، تبدو المشهدية السياسية الداخلية في لبنان في حالة من الانفصام المأساوي. جلسات تشريعية ونقاشات عقيمة حول تفاصيل شكلية، ومناوشات كلامية تظهر مدى الهوة بين واقع الدم والمواقف المترددة للسلطة.
من التساؤلات المشروعة التي طرحت داخل قبة البرلمان:
أين الحكومة من الخرائط الاستفزازية التي تنشرها وزارة خارجية العدو؟
أين المراجعات السياسية والتحركات الدبلوماسية أمام لغة التجريف والقتل الممنهج؟
ومع ارتفاع أصوات بعض الأطراف الداعية للاستقالة أو التشكيك، يأتي رد المقاومة والكتل الملتزمة بقضايا الأمة صارخاً وواضحاً: “قاعدين على قلبك”، في إشارة إلى ثبات لا يزحزحه نباح المتاجرين ولا خذلان المتواطئين.
النبوءة التاريخية لأنطون سعاده: عدو الداخل أعظم خطراً
حين نستحضر كلمات الزعيم أنطون سعاده قبل قرن من الزمن، ندرك أنها لم تكن مجرد تنبؤ عابر، بل كانت تشخيصاً علمياً عميقاً لبنية الصراع:
”إن الصراع بيننا وبين اليهود لا يمكن أن يكون فقط في فلسطين، بل في كل مكان يوجد فيه يهود باعوا هذا الوطن وهذه الأمة بفضة من اليهود. إن مصيبتنا بيهودنا الداخليين أعظم من بلائنا باليهود الأجانب.”
تتجلى هذه النبوءة بأجلى صورها اليوم؛ فالخطر لا يأتي فقط من صواريخ الطائرات وحمم المدفعية، بل من “المنافق العربي” والعميل الداخلي الذي لا يعنيه أنين الجرحى ولا تهجير العائلات، بل ترعبه قوة المقاومة لأنها تهدد عروش مصالحه وارتباطاته الخارجية.
العدالة العابرة للبحار: ملاحقة الجناة في عقر دارهم
في تحول نوعي يعكس إرادة الملاحقة القانونية للمعتدين، جاء إعلان رابطة الحقوق المدنية العربية (ACRL) عن رفع دعوى جماعية أمام المحكمة الفيدرالية في ديترويت بمشاركة أميركيين من أصول لبنانية.
تستهدف هذه الدعوى:
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو.
شركات صناعة السلاح الكبرى: بوينغ (The Boeing Company)، لوكهيد مارتن (Lockheed Martin Corporation)، وكاتربيلر (Caterpillar Inc.).
هذه الخطوة تضع شريكة العدوان -الإدارة الأميركية والشركات الداعمة للآلة العسكرية- في قفص الاتهام القانوني، وتثبت أن الجريمة المرتكبة بحق الحجر والشجر والبشر في لبنان لن تمر دون توثيق وملاحقة دولية، مهما بلغت محاولات التغطية السياسية والإعلامية.
السلام على الجنوب ومحراب البطولات
إن الليلة صعبة قاسية على الجنوب، والاعتداءات تطال حتى طواقم الإسعاف وفرق الإنقاذ (كجمعية الرسالة في كفررمان)، لكنها قسوة المخاض الذي يسبق الفجر الحتمي.
الجنوب ليس مجرد رقعة جغرافية، بل هو السر المستودع في هذه الأمة، وهو المحك الذي يسقط كل الأقنعة ويثبت أن من كان على حق، لا يُهزم ولا ينكسر، بل يصنع بدمائه ووعيه معالم المستقبل كله.
د. نبيلة عفيف غصن
