في الرابع عشر من آب، وُلد الفجر وتفتحت مشاتل الجنوب على صبيّةٍ لم تكن ككل الصبايا. في 14 آب، أبصرت النور الرفيقة السورية القومية الاجتماعية سناء محيدلي، لتكون ولادتها إعلاناً لميلاد أمةٍ تأبى الانكسار، وتمهيداً لذلك الزلزال المدوي الذي دكّ حصون الاحتلال الصهيوني في التاسع من نيسان عام 1985 في “باتر – جزين”، محطماً أسطورة “الأمن الصهيوني” إلى الأبد.
ميلاد الأيقونة وبداية الحكاية
تلك الصبيّة التي خرجت من مشاتل التبغ في الجنوب، حاملة في عينيها بريق الزمن الآتي وفي قلبها عقيدة “أن فينا قوة لو فعلت لغيرت مجرى التاريخ”، لم تكن تستعد لحياة تقليدية أو أحلام عابرة. لقد رأت في ميلادها دعوةً لحمل الأمانة، فحوّلت حياتها القصيرة وعمليتها الاستشهادية الخالدة إلى منعطف تاريخي جعَل من امرأةٍ أول منفذة لعملية استشهادية، محطّمةً كل الحواجز النفسية والاجتماعية، ومؤكدةً أن المواجهة مع العدو هي صراع وجود يشترك فيه كل أبناء الأمة.
من آب الولادة إلى نيسان الخلود
بين 14 آب (تاريخ ولادة الزوبعة والجسد الذي أُعدَّ للمجد) و9 نيسان (تاريخ العبور الأسطوري والعملية التي هزت كيان الاحتلال)، يمتد جسرٌ من الدم والنور لا ينقطع. حين ركبت سناء سيارتها المفخخة لتفاجئ قافلة جنود العدو وتزرع الموت في صفوفهم، لم تكن تودع الحياة، بل كانت تؤسس لنهج عسكري وعقائدي فريد:
أن الإرادة التي تجعل من الموت طريقاً للحياة، ومن الجسد سلاحاً عابراً للتحصينات، لا يمكن لأي ترسانة عسكرية أن تهزمها.
فلسفة الأجساد المتفجرة في وجه الغطرسة التكنولوجية
اليوم، وفي أتون المواجهة المشتعلة على ثغور الجنوب الأبي — من تلال كفرشوبا ومارون الراس وعيتا الشعب والخيام — تتجدد روح سناء محيدلي المنبعثة من طهر ميلادها في آب. في عصر يتفاخر فيه العدو بالذكاء الاصطناعي، والمسيرات القاتلة، والترسانات التدميرية التي طالت الحجر، يثبت واقع الميدان أن “خيار سناء” يبقى الكابوس الأبدي الذي يقض مضاجع المحتلين:
التكنولوجيا يمكنها أن تدمر البيوت وتخلف الدمار، لكنها تعجز كلياً عن رصد “جسد متفجر” آمن بقضيته وقرر بوعي حديدي اختراق أشد التحصينات.
إن العودة إلى فلسفة الأجساد المتفجرة التي دشنتها سناء ورفقاؤها الأبطال — من وجدي الصايغ، مالك وهبي، وابتسام حرب، وخالد أزرق، وصناع المعجزات الأوائل — ليست ترفاً تكتيكياً، بل هي الضرورة القصوى حين يتغرس العدو بقوته المادية الصماء.
سلسلة الدم الموصول من الويمبي إلى ثغور الجنوب
إن دماء عروس الجنوب التي روت أرض باتر والجنوب، هي ذاتها التي تسري اليوم في عروق المرابطين على الثغور، تمنحهم صموداً أسطورياً في وجه الترسانة الصهيونية. إن المقاومة التي انطلقت برصاصة البطل خالد علوان في مقهى “الويمبي”، وتوجت بزلزال سناء محيدلي، هي المقاومة الحية والقادرة أبداً على تلقين العدو درسًا لا ينسى: أن جنوب لبنان ومعه كل شبر من ترابنا الوطني لن يكون مستقراً للغزاة.
وكما كتب الأديب الرفيق سعيد تقي الدين بروح العنفوان القومي:
إذا سُئِلتُم اليوم، هل إنَّ حزبكُم ينمو؟ قولوا لهُم أنَّ سناء محيدلي فجّرت جَسدها بجيش العدوّ وهي تعتمِر على رأسها زوبعة عام 1985، وها هي سناء الحفيدة تُساهم بتحضير مخيمات العز والإباء.
البوصلة الأبدية: فلسطين عائدهْ
في ذكرى ميلادها في الرابع عشر من آب، وفي كل نبضة صمود على أرض الجنوب، تبقى سناء محيدلي هي البوصلة والنشيد.
نيسان سناء وآب ميلادها هما عنوانا البعث والمقاومة، والوعد القاطع:
إن الأرض التي تعمدت بدم الأحرار، لن يستردها عدوٌ بآلاته الصماء، وستبقى كلمات سناء الأخيرة نبوءةً حية توقظ الضمائر:
“فلسطين عائدهْ… ومتى كان شهد الموت شهدا للحياة!”
د. نبيلة عفيف غصن
