​مقدمة
​إن دراسة التاريخ الإنساني بمنظور تحرري واعٍ تتطلب منا طمس كل خطوط التزييف التي رسمتها قوى الهيمنة لطمس الحقيقة، ورفع الغطاء عن الأكاليل الوهمية التي وضعت فوق جباه الطغاة والمستغلين. إن مرحلة الجنوب الأمريكي بين عامي 1789 و1865 لم تكن سوى مسرح دموي كبير تجسدت فيه أبشع صور الاستعباد البشري والاتجار بالبشر تحت يافطة “الاستغلال المتوحش”. وحين نغوص في أعماق الأرشيفات التاريخية الموثقة، وتحديداً في الأدبيات التي سعت لفك طلاسم هذه الحقبة مثل كتاب «Jews and Negro Slavery in the Old South (1789-1865)» للباحث بيرترام والاس كورن (Bertram Wallace Korn)، وكتاب «Jews Selling Blacks» الصادر عن أمة الإسلام، فإننا نكتشف حجماً هائلاً من الحقائق المغيّبة التي تعري تورط شخصيات وشبكات استغلالية يهودية بشكل عميق ومباشر في بناء، وحماية، وتدشين مفاصل هذه المنظومة الاستعبادية المرعبة. إنها صرخة وعي نهضوية لتفكيك الأكاذيب التاريخية وإعادة كتابة الحقيقة من بوابة العدالة والإنصاف المطلق.

​أولاً: ملكية المزارع واستعباد الأفارقة: الجذور المظلمة للاستيطان الاستغلالي
​لم تكن مؤسسة الرق مجرد هامش عابر في تاريخ الولايات المتحدة، بل كانت عصبها الاقتصادي الملطخ بالدماء. وتكشف السجلات التاريخية الدامغة أن شخصيات يهودية بارزة لعبت دور المالك والمستثمر المباشر لمزارع الموت الضخمة التي كانت تضم مئات الأفراد المستعبدين من أبناء البشرة السمراء.

​نموذج الاستعباد المؤسسي: فعلى سبيل المثال الحرفي والموثق، امتلك “جاكوب كوهين” في مدينة تشارلستون مزارع شاسعة تضم نحو 294 أفريقياً مستعبداً، ولم يكن مجرد مالك عادي، بل كان يعتلي ذروة الهرم الاجتماعي والديني بتوليه منصب رئيس المعبد اليهودي (Congregation Beth Elohim) عام 1790. هذا التلاحم المتبادل بين النفوذ الديني والمالي يثبت بما لا يدع مجالا للشك أن مؤسسة الرق كانت تحظى برعاية وتبرير مباشرين من قيادات تلك الجماعات.
​قسوة “المُسخِّرين”: لقد خصص الباحث بيرترام كورن في مؤلفه فصولاً كاملة وصريحة تبحث في “اليهود كمالكين ومزارعين للعبيد”، متناولاً بجرأة بالغة طبيعة معاملتهم القاسية للعبيد، ولافتاً النظر إلى وصفهم الدقيق بـ “المُسخِّرين القساة” (Harsh Taskmasters) الذين لم يتوانوا عن استخدام أبشع أساليب التنكيل والإخضاع لضمان تدفق الأرباح واستمرار الإنتاج الزراعي الاستغلالي.
​ثانياً: شبكات تجارة الرقيق والمزادات العلنية: اقتصاد الدم والربح الفاحش
​لم يتوقف الأمر عند حدود امتلاك المزارع، بل امتد ليتغلغل في شبكات التجارة الواسعة والوسطاء الذين أداروا أسواق النخاسة بكل برود وجشع استغلالي. كانت تجارة الرقيق تُدار كواحدة من أكثر الأنشطة التجارية الاستثمارية ربحية في ذلك العصر، حيث تحول البشر إلى سلع تباع وتشتري في العلن.

​وكلاء المزادات والأسواق: لقد عمل أشخاص مثل “أبراهام كوهين” كوكلاء ومزاديين محترفين لتجارة العبيد، حيث أداروا بأنفسهم عمليات بيع العشرات من الأفارقة المستعبدين في الأسواق المركزية.
​آلة الدعاية الصحفية: لضمان استمرار هذا النظام الاقتصادي وفعاليته، لم يتوان هؤلاء التجار عن توظيف الصحف لخدمة مصالحهم؛ فقد نشروا إعلانات البيع والشراء في صحف بارزة مثل «Charleston Daily Courier»، إضافة إلى نشر إعلانات ملاحقة العبيد الهاربين ورصد المكافآت لمن يعيدهم إلى “أسيادهم”، وهو ما يؤكد التورط العضوي لتلك الشبكات في إحكام الطوق على أعناق المستعبدين.
​ثالثاً: القبضة الحديدية: السيطرة الإدارية والأمنية وقمع الأحرار والعبيد
​إن الاستعباد الفعلي لا يمكن أن يستمر بالحديد والنار وحدهما، بل يحتاج إلى منظومة أمنية وقضائية متكاملة تحميه من التمرد أو الانهيار. وهنا تبرز حقيقة أخرى بالغة الخطورة تتمثل في تولي أفراد من الجالية اليهودية وظائف رسمية وأمنية وقضائية حساسة في مدينة تشارلستون لضمان فرض القوانين وتحصين نظام الرق.

​جيش الوظائف الأمنية: توثق السجلات الرسمية بوضوح تام أسماء لامعة مثل: لويس غوميز، إليشا إليزير، موسى سليمان، موريس غولدمولد، ناثان هارت، سولومون موسى، صموئيل هيامز، مارك ماركس، وموسى ليفي، وغيرهم الكثير، ممن شغلوا وظائف شرطية وقضائية بالغة الحساسية مثل حراس السجون (Turnkey of Jail)، ونواب المارشال، والمحققين، ورجال الشرطة خلال الفترة بين أعوام 1802 و1840.
​التكامل بين السيطرة الاقتصادية والأمنية: لقد أتاح هذا التحكم المزدوج في الوظائف الأمنية، إلى جانب الهيمنة على الصحف والمتاجر والأسواق، إشرافاً مباشراً ومحكماً على مفاصل المنظومة الاقتصادية والأمنية المرتبطة بالعبيد، مما جعل الهروب أو التمرد أمراً بالغ الصعوبة في ظل شبكة محاصرة بالكامل.

​رابعاً: الشهادات الحية والأبعاد التحليلية: تفكيك الهيمنة الاستغلالية
​إن وعي الشعوب المضطهدة بحقيقة التاريخ لا ينبت من فراغ، بل يستند إلى تراث نقدي وتحليلي عميق كشف خبايا هذه العلاقات الاستغلالية.

​الندوات التاريخية والمكاشفة: لقد ناقش مؤرخون وباحثون كبار الجذور التاريخية المعقدة لهذه العلاقة، مثل الندوة الفكرية والتاريخية البارزة التي جمعت بين الدكتور ليونارد إي. باريت الأب والباحث بيرترام كورن عام 1974، والتي سعت لتسليط الضوء على الأدوار الخفية والروابط التاريخية بين تلك الجماعات ونظام الرق في الجنوب.
​رؤية مالكوم إكس الثاقبة: وفي ذات السياق، قدمت تحليلات شخصيات تحررية بارزة مثل مالكوم إكس فهماً عميقاً لطبيعة الاستغلال الاقتصادي والهيمنة التجارية، مشيرة إلى الكيفية التي كانت تُستغل بها المجتمعات المحلية عبر السيطرة المطلقة على المتاجر والأسواق، وكيف تتطابق البنيات الاستغلالية في إحكام القبضة على المستضعفين بغض النظر عن الشعارات الزائفة.
​خاتمة
​إن إسقاط الأقنعة عن وجه التاريخ المزور ليس ترفاً فكرياً، بل هو واجب نهضوي مقدس يستقيم به وعي الأجيال الحية. إن ثقل الحقائق الدامغة التي أفرزتها سجلات بيرترام كورن، ووثائق تشارلستون، وشهادات الأحرار مثل مالكوم إكس ودكتور ليونارد باريت، تثبت يقيناً أن استعباد الشعوب وسحق إنسانيتها لم يكن وليد صدفة، بل كان نتاجاً لمنظومة استغلالية متكاملة الأركان اشتركت فيها عائلات وشبكات نافذة كرست طاقاتها للمال والسيطرة على حساب دماء وأرواح الملايين من الأفارقة. إن وعينا اليوم بهذه الحقائق يجب أن يتحول إلى طاقة نارية جبارة لرفض كل أشكال الهيمنة، وتفكيك سرديات التزييف الممنهج، والانتصار للعدالة المطلقة وحرية الإنسان أينما كان.

​قائمة الهوامش والمراجع
​[1], [4], [7] Korn, Bertram Wallace. Jews and Negro Slavery in the Old South (1789-1865). (الفصول المخصصة لدراسة اليهود كمالكين ومزارعين للعبيد، ومعاملتهم القاسية، والندوة المشتركة عام 1974 بين بيرترام كورن والدكتور ليونارد إي. باريت الأب).
​[2] كتاب Jews Selling Blacks. الصادر عن أمة الإسلام (لتوثيق إعلانات وأنشطة تجارة الرقيق).
​[3] السجلات التاريخية حول ملكية المزارع واستعباد الأفارقة في تشارلستون (نموذج جاكوب كوهين وترؤسه لمعبد Congregation Beth Elohim عام 1790 وامتلاكه 294 عبداً).
​[5] وثائق وإعلانات تجارة الرقيق والمزادات العلنية (أبراهام كوهين، ودعايات الصحف مثل Charleston Daily Courier).
​[6] السجلات الرسمية لمدينة تشارلستون (1802-1840) حول الوظائف الأمنية والقضائية والشرطية لأفراد الجالية (لويس غوميز، إليشا إليزير، موسى سليمان، موريس غولدمولد، ناثان هارت، سولومون موسى، صموئيل هيامز، مارك ماركس، موسى ليفي).
​[8] التحليلات والأطروحات الفكرية لمالكوم إكس حول طبيعة الاستغلال الاقتصادي والهيمنة التجارية للمتاجر والأسواق في المجتمعات المحلية.
د. نبيلة عفيف غصن

سقوط الأعراف الدستورية على عتبات الهيئة العامة: عندما تُزج المؤسسة العسكرية في أتون المحاصصة!
​ما شهدته أروقة مجلس النواب على هامش الجلسة التشريعية الأخيرة لم يكن مجرد اختلاف في وجهات النظر بين رئيس الحكومة نواف سلام ووزير الدفاع ميشال منسى، بل كان زلزالاً سياسياً ودستورياً كشف عن عورات الممارسة السلطوية، وأسقط أوراق التوت عن محاولات زج المؤسسة العسكرية – درع الوطن الحصين – في بازار الصراعات الطائفية والسياسية الضيقة.
​انتهاك دستوري صارخ وتجاوز للصلاحيات
​إن ما جرى يمثل سقطة غير مسبوقة تمس بموقع وزير الدفاع وهيبته ودوره الدستوري. فحضور الوزير إلى البرلمان لم يكن ترفاً سياسياً، بل هو واجب وطني ودستوري لتمثيل وزارته والمؤسسة العسكرية أمام السلطة الرقابية الوحيدة المخولة محاسبة الحكومة.
​ومحاولة رئيس الحكومة منع الوزير من دخول الجلسة، وفرض وصاية غير مبررة، تتناقض كلياً مع الأصول الدستورية؛ فـ رئيس الحكومة يترأس مجلس الوزراء، ولكنه لا يملك سلطة إدارية أو أمرية مباشرة على أي وزير داخل وزارته، حيث يتمتع كل وزير بصلاحيات كاملة ومستقلة ضمن نطاق وزارته. إذن، بأي حق يحاول رئيس الحكومة مصادرة حق وزير الدفاع في عرض موقف وزارته ومؤسسته العسكرية، علماً أن النتيجة محسومة أصلاً بأغلبية نيابية واضحة كانت تتجه نحو إقرار قانون العفو العام في ظل تسوية سياسية جامعة؟
​اللعب بالنار: زج الجيش في الانقسام الطائفي
​ولعل الأمر الأكثر خطورة، والذي يرقى إلى مستوى الجريمة الوطنية والسياسية، هو ما رافق النقاش المحتدم من محاولة رخيصة لتحويل بوصلة المؤسسة العسكرية.
​فحين يُنقل عن رئيس الحكومة قوله للوزير منسى:
​”إذا لم يمشِ القانون، فأنت تضع الجيش اللبناني في مواجهة مع الطائفة السنية!”
​فإننا أمام سقوط مدوٍ في فخ الخطاب الطائفي الفتنوي. إنها محاولة سافرة لابتزاز المؤسسة العسكرية ووضعها طرفاً في نزاعات مذهبية وسياسية مقيتة، وكأن الجيش بات مادة للتجاذب أو شماعة تُعلّق عليها خيبات التسويات السياسية.
​رد مدوٍ من رجل المؤسسات: 40 عاماً من الشرف والوطنية
​في المقابل، جاء رد وزير الدفاع ميشال منسى – الذي تأثر بشدة أمام هذا المنطق الفتنوي – بمثابة صفعة مدوية لكل تجار الطوائف والمذاهب. فقد رد بلسان العسكري الملتزم بقسمه وشرفه:
​”لدي 40 سنة خدمة في الجيش، ولم أعرف يوماً مسلماً ومسيحياً!”
​هذه العبارة ليست مجرد رد عابر، بل هي وثيقة وطنية تسقط كل محاولات شرذمة الجيش أو إسقاط الهويات العصبوية عليه. لقد أثبت منسى أن المؤسسة العسكرية تبقى هي الحصن الأخير العابر للطوائف، ورفض أن تُدنس عقيدتها الوطنية على مذبح المصالح السياسية الآزلة.
​ فضفاضة التسويات وانكشاف المستور
​تدخل رئيس مجلس النواب نبيه بري واحتواء الموقف باتصالات مكثفة لم يُلغِ حقيقة أن ما جرى قد كشف المستور. قانون العفو العام كان يحظى بالأغلبية النيابية، وكان طريقه معبداً نحو الإقرار، إلا أن الإرباك والتخبط اللذين أصاباه يعودان حصراً إلى هذا الأداء الفوقي وغير الدستوري الذي طبع الجلسة.
​إن محاولة إسكات وزير الدفاع، وتكميم أفواه المؤسسات، والتلويح بالفتن الطائفية، هي أساليب عفنة عفا عليها الزمن. من حق الرأي العام اللبناني أن يعرف الحقيقة، ومن حق المؤسسة العسكرية أن تبقى مصانة فوق كل اعتبار، بعيداً عن ألاعيب الساسة وحساباتهم الضيقة. ما حصل يجب أن يكون جرس إنذار أخير: ارفعوا أيديكم عن الجيش، واحترموا الأصول والدستور قبل أن تبتلع الفوضى ما تبقى من هيبة الدولة!
د. نبيلة عفيف غصن