كلّما فكّرت في الرئيس الكولومبي غوستاڤو پيترو، لا تحضر في ذهني خطاباته النارية، ولا مواقفه التي جعلته في نظري ونظر الكثيرين، أحد أكثر الرؤساء جرأةً في تحدي السياسات الغربية، بل ترتسم أمامي صورة أوّل رئيسٍ يساري لكولومبيا وهو يصافح ترامپ، مغتصب الأطفال وشريك الصهاينة وداعمهم في قتل الشعوب ونهب ثرواتها.. كانت الصورة بمثابة طعنةٍ في القلب.

يومها، لم يدخل پيترو من الباب الرئيسي، بل من باب الموظفين. وجلس في المكتب البيضاوي، إلى جانب دونالد ترامپ، وحرص منذ اللحظة الأولى على التنكّر لتاريخه، فأكد أنّه ليس تاجر مخدرات ولا مقاتلاً سابقًا في فصيلٍ ثوري، ولا شيوعيًا. ووصف ترامپ بأنّه شخصٌ جيّد، وكانا يبتسمان ويتحدثان عن الأخوّة والإنسانية!

پيترو الذي انضمّ في شبابه إلى حركة M-19 الثوريّة، والذي حمل بين رفاقه اسم “أوريليانو”، نسبةً إلى شخصية العقيد أوريليانو بوينديا في رواية غابريال غارسيا ماركيز، ذلك المحارب الذي واجه الهزائم والشدائد دون أن ينكسر. لكن أروقة القصر الرئاسي هزمت أورليانو پيترو، إذ وجد نفسه مضطرًا إلى تقديم التنازلات، والموازنة بين المبادئ والحسابات السلطوية.

دافع پيترو عن فلسطين في المحافل الدولية، ورأينا فيه ملامح من غيڤارا وكاسترو وأليندي، لكنه سرعان ما خيّب آمالنا حين تبنّى راوية اليانكيين بشأن تزوير الانتخابات في ڤنزويلا، وهو يدرك رغبتهم التاريخية بالسيطرة على القرار السياسي في ڤنزويلا وسرقة ثرواتها. كما زار ڤنزويلا والتقى دلسي رودريغز الخادمة المخلصة لترامب وأعوانه.

مواقفه لم تكن على المستوى المطلوب تجاه كوبا، وقد زارها مؤخرًا، قبل أيامٍ من نهاية ولايته الرئاسية، حين لم يعد للزيارة كلفة سياسية، ولا معوّقات انتخابية أو ضغوطًا داخلية.

ظهر هذا التحوّل بعد زيارته لواشنطن، عقب تهديدات بالتصفية والانقلاب، فلم أقرأ له موقفًا حيال الحرب المعلنة ضد إيران، ولا إدانة صريحة لما يجري في الدول المجاورة.

غوستاڤو پيترو، الذي يُعدّ مرجعًا لليسار التقدمي العالمي، اتصل بدونالد ترامب للتهنئة بالذكرى الـ250 لاستقلال الولايات المتحدة، وتمنى منه حذفه من «قائمة كلينتون»، ​حتى يتمكن من التنقل بحرية عبر العالم، وإجراء المعاملات المالية.

كتبت الكثير عن هذا الرجل، كنت معجبة بحضوره وشجاعته، وعشقه للفنون والآداب الذي بدا جليًا في خطاباته التي توليت ترجمتها ونشرها، وكان وجهه صورةً لحسابي لأشهرٍ عديدة، لكنّ المواقف التي تشعل جذوة القادة في وجداننا وترفعهم، هي نفسها التي تطفئهم.

السياسة تتطلّب بعض السلوكيات الپراغماتية، هذا صحيح، لكن الحياد وضبابية المواقف تجاه قضايا معيّنة، قد تصنع السياسيين الجيّدين، لكنها حتمًا لا تصنع القادة التاريخييّن.

لينا الحسيني