​من أوسلو إلى بغداد ودمشق: الهندسة الشاملة لإلحاق الهلال الخصيب بالمركز الإسرائيلي-الأمريكي

د. نبيلة عفيف غصن-بروفايل نيوز

​تتكشف التطورات الميدانية والسياسية المتلاحقة في المشرق العربي عن معادلة جيوسياسية خطيرة تتجاوز حدود التغيرات الأمنية أو السياسية المحلية، لتلامس جوهر المخطط الدولي لإعادة صياغة المنطقة. إن ما يشهده الميدان العراقي اليوم، بالتوازي مع التحولات الجذرية في الشام عقب إسقاط النظام السابق الممانع وصعود سلطة الجولاني في دمشق، ليس مجرد أحداث متفرقة، بل هو الإعلان العملي عن اكتمال حزام “السلطات الوظيفية”، التي أُعدَّت أدوارها بعناية ضمن تموضع استراتيجي جديد للمنطقة بالتحالف مع واشنطن والعواصم الخليجية، بهدف تحويل كامل جغرافيا “الهلال الخصيب” (بلاد الشام والعراق) إلى منطقة نفوذ وتوابع خاضعة كلياً للسيطرة الإسرائيلية-الأمريكية.

​أولاً: تناظر النموذج الوظيفي… من أوسلو إلى دمشق وبغداد
​لم تكن تجربة “سلطة أوسلو” في الضفة الغربية مجرد حادثة محلية في التاريخ الفلسطيني، بل كانت المانيفستو التأسيسي لنموذج إدارة الصراع عبر وكيل محلي؛ سلطة يُمنح فيها الوكيل الغطاء السياسي والشرعية الإدارية الشكليّة مقابل التزام أمني صارم بضبط وتفكيك بنى المقاومة الداخلية تحت شعار “فرض هيبة الدولة” والتكيّف مع الترتيبات الاستعمارية. ومن أوسلو، استُنسخت التكتيكات لتهيئة المشهدين اللبناني والعراقي، لتصل اليوم إلى ذروتها في الشام.

​كان إسقاط النظام السابق الممانع في دمشق الشرط الجيوسياسي الشارح والمفتاح الأساسي لاكتمال هذه الهندسة؛ إذ كان يشكل السد التاريخي أمام تمدد هذا المخطط وكسر تواصل جغرافيا المقاومة. ومع تسلّم سلطة الجولاني مقاليد الحكم في الشام، جرى فتح الساحة السورية أمام إعادة ترتيب أدوارها الوظيفية، لتتحول دمشق من عاصمة للمحور المناهض للمشاريع الاستعمارية إلى حلقة ضمن سلسلة السلطات التي توفر الغطاء السياسي والأمني لتفكيك بنية المقاومة وتحييد المدى الحيوي للإقليم.

​وتتكامل هذه السلطات المستنسخة (في الضفة، وبيروت، وبغداد، ودمشق) وفق توزيع محكم للأدوار:

​السلطات المحلية المستحدثة: توفر الغطاء القانوني والإداري، وتغلّف عمليات القصف والتصفية وتفكيك الفصائل ببراقع “حصر السلاح بيد الدولة”، و”مكافحة الإرهاب”، و”صون الاستقرار”.
​التحالف الأمريكي-الخليجي-الإسرائيلي: يتكفل الجانب الأمريكي بالتغطية الاستخباراتية والدعم السياسي، بينما يغطي الجانب الخليجي التمويل الاقتصادي والدبلوماسي، ليضمن المركز الإسرائيلي تصفية البيئة الاستراتيجية المهددة لأمنه.
​ثانياً: الهندسة الجيواقتصادية وتجويف الشريان التاريخي
​لا يقتصر مشروع إلحاق الهلال الخصيب على الترتيبات العسكرية والأمنية، بل يمتد ليشمل إعادة صياغة جغرافية التجارة والطاقة والتكنولوجيا؛ حيث يُستبدل المدى الحيوي التاريخي للمنطقة بـ مركز ثقل لوجستي وأمني جديد يقع في ميناء حيفا والداخل الإسرائيلي:

​1 خنق الممر البري الطبيعي وفرض “الممر الإبراهيمي”: على مدى عقود، شكّل الخط البري الطبيعي (البصرة – بغداد – دمشق – ساحل الشام) معبراً تاريخياً للتكامل والتجارة بين الخليج والعراق والمتوسط. وبكسر الحلقة السورية وتحييد العراق، يُفرض اليوم حصار تنموي وأمني على الحدود العراقية-السورية والسورية-اللبنانية لمنع قيام أي شريان لوجستي متكامل ومستقل (مثل مشروعات أنبوب البصرة-بانياس أو خطوط السكك الحديدية الإقليمية). في المقابل، يُفرض “ممر إبراهيمي” بديل يربط الخليج العربي عبر الأردن بميناء حيفا مباشرة، مما يحول دول الهلال الخصيب إلى “جيوب مغلقة” (Enclaves) معزولة عن مسارات التجارة الدولية.
​2 تعطيل الموانئ السيادية لصالح مركزية حيفا: تعتمد الرؤية الاستعمارية على تقزيم الأدوار التاريخية للموانئ اللبنانية والسورية والعراقية لحساب توسيع البنية التحتية للموانئ الإسرائيلية. يتم شل القدرات التنافسية لموانئ بيروت، وطرابلس، واللاذقية، وتأخير استكمال المبادرات البحرية الكبرى كميناء الفاو الكبير لضمان عدم ربط العراق بمدى بحري مستقل. وتُصمَّم المشاريع اللوجستية الكبرى (مثل الممر الاقتصادي IMEC) ليكون ميناء حيفا العقدة الحصرية لتفريغ ونقل البضائع نحو أوروبا.
​ثالثاً: أدوات الإلحاق الحديثة… الطاقة، الكابلات، والارتهان المالي
​تُستكمل أركان السيطرة الاستعمارية من خلال خنق مقومات الاستقلال الذاتي عبر ثلاث آليات بنيوية:

​الهيمنة على الطاقة: ربط اكتشافات الغاز في شرق المتوسط بهياكل إقليمية تُجرّد الدول العربية من استقلالية القرار النفطي، وتُحول الكيان الإسرائيلي إلى مُصدّر رئيسي للغاز ومُتحكم في شبكات الكهرباء الإقليمية، مع استمرار تعطيل استخراج النفط والغاز في السواحل اللبنانية والسورية لضمان استمرار حالة العجز الطاقي والارتهان للخارج.

​السيادة الرقمية (كابلات الألياف الضوئية): مد شبكات كابلات البيانات العملاقة (مثل مشروع Blue-Raman) لربط آسيا بأوروبا عبر السعودية والأردن والداخل الفلسطيني المحتل، متجاوزة المسارات التاريخية عبر الساحل السوري-اللبناني. يمنح هذا المسار المركز الإسرائيلي القدرة على التحكم والتنصت وإدارة الحركة المعلوماتية والرقمية للشرق الأوسط، ومحاصرة أي بنية تحتية رقمية مستقلة.
​الارتهان للمؤسسات الدولية: فرض برامج إعادة الهيكلة والتداين عبر صندوق النقد والبنك الدوليين على دول المنطقة (لبنان، والعراق، والأردن، والسلطات المستحدثة في الشام)، مما يفرض خصخصة المرافق السيادية وتفكيك القطاعات الإنتاجية الزراعية والصناعية، وتحويل هذه الدول إلى اقتصاديات ريعية تعتمد كلياً على القروض والمساعدات الغربية-الخليجية.
​رابعاً: صدمة الميدان وحتمية الانفجار
​إن المراهنة على نجاح خيار “السلطة الوظيفية” بتنويعاتها من أوسلو إلى بغداد ووصولاً إلى سلطة الجولاني في دمشق، وتثبيت مشروع الإلحاق الجيواقتصادي، تعكس قراءة قاصرة للديناميات المجتمعية والميدانية الشديدة التعقيد في المشرق العربي.

​العراق والشام ليسا مجرد مساحات جغرافية قابلة لإعادة التشكيل الإداري أو الحصار؛ بل هما المدى التاريخي والاجتماعي الذي تمتلك فيه القوى الحية والمقاومة جذوراً مجتمعية عميقة وإمكانيات غير قابلة للمحو بقرارات سياسية أو صفات رسمية مستحدثة. إن تحويل القرار السيادي في دمشق وبغداد ليكون غطاءً للمشروع الأمريكي-الخليجي، ومحاولة تجويف الهلال الخصيب لصالح المركز الإسرائيلي، لن يجلب الاستقرار للنظم الجديدة، بل يدفع المنطقة برمتها نحو استقطاب بنيوي حاد، يُعجّل بشلل هذه السلطات الوظيفية وسقوط مشاريع الإلحاق أمام صلابة الجغرافيا والجمهور.