في السياسة الدولية، لا تُقاس المواقف بالخطابات الرنانة أو البروتوكولات الدبلوماسية المعلنة، بل تُقاس بموازين القوة وتدفق التكنولوجيا. وما كشفت عنه صحيفة “هآرتس” مؤخراً حول توريد شركات دفاعية إسرائيلية لأنظمة عسكرية متطورة إلى قطر والمملكة العربية السعودية، ليس مجرد “تسريب صحفي”، بل هو إعلان عن دخول المنطقة في مرحلة جيوسياسية جديدة: مرحلة تكريس “الدولة الوظيفية” التي لا تُذيب الحدود الأيديولوجية فحسب، بل تُفرغ مفهوم “السيادة الوطنية” من مضمونه لصالح “الأمن التقني” المشترك.
1. الدولة الوظيفية: خارج سياق السيادة
لفهم هذا الارتهان التقني، يجب إدراك الحقيقة التأسيسية لهذه الدول؛ فهي لم تُنشأ لتكون “دولاً سيادية” تمتلك قرارها وتنتج أسباب قوتها، بل أُسست كـ “وحدات وظيفية” ضمن منظومة عالمية صممها المركز الغربي. إن دور هذه الدول محدد بدقة: ضمان استقرار تدفق الطاقة، إعادة تدوير الفوائض المالية عبر عقود التسلح، والعمل كحارس للمصالح الغربية. وعليه، فإن شراء السلاح وتوطين التكنولوجيا الإسرائيلية ليس “انحرافاً” في المسار، بل هو “امتثال للوظيفة” التي أُنشئت من أجلها، وهي ربط أمن المنطقة كلياً بالمركز المهيمن.
2. وهم العداء في زمن المصالح الوجودية
لقد انكسر حاجز “انعدام العلاقات الدبلوماسية” أمام سطوة الحاجة الوظيفية. إن توريد أنظمة حماية الطائرات (C-MUSIC) لأسطول قطر، وتزويد سلاح الجو السعودي بأنظمة (JHMCS) للـ (F-15)، ليس مجرد صفقات تجارية، بل هو إعلان عن “تكامل أمني” يسبق التطبيع السياسي بسنوات ضوئية. إن الأنظمة الحاكمة في المنطقة، عبر هذا المسار، تعترف ضمنياً بأن وظيفتها هي الاندماج في “الهندسة الدفاعية” التي تشكل إسرائيل أحد أعمدتها التقنية تحت الرعاية الأمريكية.
3. فخ “التبعية التقنية”: الاستقلال كوَهم بنيوي
إن أخطر ما كشفته هذه الصفقات هو التغير النوعي في مفهوم السيادة. في العقود السابقة، كان السلاح أداة دفاعية؛ أما اليوم، فإن الحكومات تستورد “منظومات برمجية” (Software-defined Warfare). هنا يكمن الفخ:
الارتهان التشغيلي: هذه الأسلحة هي كيانات ذكية تتطلب تحديثات وبرمجيات تظل تحت سيطرة المنتج الأصلي (إسرائيل أو حلفائها). في لحظة تأزم، يمكن للمورد تحويل هذه المنظومات إلى “خردة معدنية” بحجب التحديثات أو تفعيل مفاتيح التحكم عن بُعد.
ثقوب في جدار السيادة: الاعتماد على تكنولوجيا الخصم يمنح هذا الخصم رؤية بانورامية على بنك أهداف ومسارات الطيران الخاص بالدولة المشتري. إن “القرار المستقل” يتطلب سيادة على المعلومة، فكيف تستقيم الاستقلالية بينما العدو يعرف طبيعة الرادارات، زوايا كشفها، ونقاط ضعف التغطية؟ إنها “شفافية أمنية” قسرية تخدم المؤسسة العسكرية الإسرائيلية.
إن غياب العلاقات الرسمية لم يكن يوماً عائقاً؛ فقد كانت واشنطن ولا تزال “الوسيط والمغطي” الذي يشرعن هذا التعاون. عبر صفقات السلاح وعقود الباطن، دمجت واشنطن القدرات الإسرائيلية ضمن المنظومات العربية لتعزيز “حلقة الارتهان التقني”. الهدف ليس فقط مواجهة التهديدات الإقليمية، بل هندسة الجغرافيا السياسية للمنطقة لتبقى تحت “إشراف تكنولوجي” دائم، مما يجعل قرار الحرب والسلم محكوماً بالرضا التقني والسياسي للمورد.
5. الاستقلال الاستراتيجي كخيار تاريخي: الثورة على الوظيفة
إن الكشف عن هذه الصفقات يعيد تعريف قواعد اللعبة. لقد أصبح واضحاً أن “العداء” في الشرق الأوسط بات سلعة استهلاكية تُباع للجمهور، بينما تُشترى “التحالفات” في الغرف المغلقة. ما كان مستوراً صار مكشوفاً، والهدف الذي تحتاجه المنطقة ليس شراء السلاح من الخصم، بل في امتلاك القدرة الصناعية المستقلة.
إن الاستقلال الاستراتيجي ليس مجرد صفقات شراء، بل هو “إرادة إنتاج” تتطلب أولاً: الثورة على الدور الوظيفي. إن بقاء المنطقة رهينة للتكنولوجيا المستوردة يعني بقاءها في دائرة التبعية الأبدية، حيث تُصادر استقلالية القرار قبل أن يبدأ. إننا اليوم أمام خيار تاريخي: إما التحرر من هذا الارتهان عبر استعادة الهوية العلمية والصناعية، أو القبول بكوننا مجرد مستهلكين لقرارات صُممت في مختبرات من لا يرون فينا سوى أرقام في حسابات توازن القوى. السيادة الحقيقية تبدأ من المختبر والمصنع، لا من توقيع عقود التوريد.
خلاصة القول: إن الأمن الذي يُشترى لا يدوم، والقرار الذي يعتمد على سلاح الخصم هو قرار مُصادر مسبقاً. إن التحرر من هذا الارتهان يتطلب شجاعةً في المواجهة، ووعياً بأن السلاح لا يحمي سيادةً إلا إذا كان نتاجاً لعقول أبنائها، لا التزاماً بوظيفةٍ فُرضت من الخارج.
د. نبيلة عفيف غصن
