بيان صادر عن المؤتمر العربي العام

صدر عن لجنة المتابعة للمؤتمر العربي العام التي تضم أمناء عامين وممثلين عن المؤتمر القومي العربي، والمؤتمر القومي – الإسلامي، والمؤتمر العام للأحزاب العربية، ومؤسسة القدس الدولية، والجبهة العربية التقدمية، البيان التالي:

يعبر المؤتمر العربي العام عن ترحيبه بإقرار مذكرة التفاهم بين الجمهورية الإسلامية في إيران والولايات المتحدة الأميركية، الرامية إلى وقف الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران ولبنان. ويُثمّن المؤتمر عالياً الجهود المضنية التي بذلها الوسطاء للوصول إلى هذا التفاهم، وفي مقدمتهم باكستان وقطر والمملكة العربية السعودية.

  1. تقدير الموقف الإيراني والصمود الأسطوري
    يعرب المؤتمر عن اعتزازه وتقديره للموقف الإيراني الثابت والحاسم، الذي اشترط شمول وقف الحرب لكل المنطقة، وبخاصة لبنان، وكذلك للصمود الإيراني الفائق في مواجهة أعتى قوتين عسكريتين غاشمتين في العالم والمنطقة: الولايات المتحدة الأميركية والكيان الصهيوني. ويشيد المؤتمر بصمود إيران، وقدرتها على امتصاص الصدمات وتحويل التحديات إلى فرص، وبوعي ورشد قيادتها الذي أدار المعركة بحنكة سياسية وعسكرية فائقة، وبصبر شعبها العظيم وتضحياته التي جسّدت أسمى معاني الصمود والثبات.
    ويتوجه المؤتمر بتحية إجلال وإكبار للصمود الأسطوري للمقاومة الإسلامية في لبنان، ولدماء شهدائها وكل شهداء لبنان، ولتضحيات أهل المقاومة، ولصبر النازحين عن أرضهم وتحمّلهم المعاناة الهائلة الناتجة عن التهجير والتدمير، ولاحتضان معظم اللبنانيين للنازحين بمشاعر الأخوة والتضامن والمسؤولية الأخلاقية والوطنية. كما يحي جهود اليمن ودوره في هذه الملحمة الجديدة وأدواره المشهودة في إسناد غزة، الذي ما زال شعبها ومقاومتها صامدين بوجه الوحشية الصهيونية المدعومة أمريكياً وداخلياً على مدى سنتين وتسعة أشهر.
  2. معادلة المقاومة وانتصار القدرة على القوة الغاشمة
    لقد تحقق هذا التفاهم بفضل قدرة جبهة المقاومة على وضع معادلة جديدة، تقوم على توظيف القدرة في مواجهة القوة الغاشمة، وانتصار الأولى على الثانية كانتصار العين على المخرز. وتتجسد هذه القدرة في الشراكة الاستراتيجية بين مكونات جبهة المقاومة، والقدرة الفائقة على الصمود، وتناسق الأداء، وتكامل الأدوار وإتقان المدافعة العسكرية والسياسية.
    هذا النصر الاستراتيجي ليس وليد اللحظة، بل هو امتداد طبيعي لسلسلة انتصارات تاريخية، بدأت بتحرير جنوب لبنان عام 2000، ثم تحرير غزة عام 2005، والإنتصار التاريخي عام 2006، وصولاً إلى ملحمة طوفان الأقصى في 7 أكتوبر. إنها سلسلة متصلة تؤكد أن الكيان الصهيوني لا توقفه جهود سياسية ولا دبلوماسية، ولا تردعه سياسة التسليم والانحناء، ولا تحدّ من طموحاته التبعية أو الخنوع. بل ما يردع هذا العدو الغاشم هو لغة القوة، لا شيء غيرها.
  3. واقع إقليمي ودولي جديد
    لقد صنع هذا الانتصار الاستراتيجي واقعاً إقليمياً ودولياً جديداً، هيأ للأمة العربية والإسلامية فرصة تاريخية لفرض حضورها، وأن تكون فاعلاً حقيقياً في المشهد الدولي، وفي صناعة القرار العالمي، وفي المساهمة في عمليات البناء الحضاري الكوني على أسس جديدة تقوم على التعددية الحضارية، وأن تكون شريكة في القرار الدولي على قدم المساواة مع الكتل الحضارية العالمية الأخرى.
  4. مراجعة استراتيجية شاملة لاستثمار هذا الانتصار
    إن هذا التحول الكبير في موازين القوى لا يمكن أن يُستثمر إلا من خلال مراجعة نقدية عميقة للسياسات العربية والإسلامية، وإعادة تقييم جادّة للموقف الرسمي والشعبي على السواء. ذلك أن ما تحقق في الميدان يستوجب ما يقابله من تحرير في القرار السياسي، وإعادة بناء للأولويات الوطنية والقومية على أسس جديدة، تليق بحجم التضحيات التي قدمتها جبهة المقاومة، وتستجيب لتطلعات الشعوب في الحرية والعدل والكرامة والاستقلال. وتستوجب هذه المراجعة ما يلي:
    أ) استعادة الاستقلال الوطني والقومي، وتحرير القرار السياسي من كل إملاءات خارجية.
    ب) الإسراع في إجلاء القواعد العسكرية الأجنبية من كافة الدول العربية والإسلامية، فهي تمثل انتقاصاً صارخاً للسيادة، ولم توفِ بغرض “حماية” الدول المستضيفة، بل مكّنت العدوان على الدول التي تتصدى للمشروع الصهيوني، وأصبحت عقبة في طريق أي مشروع تحرري نهضوي.
    ج) عودة الدول العربية والإسلامية التي التحقت بالمحور الصهيوأمريكي إلى صف أمتها، وقطع كل أشكال التطبيع مع الكيان الصهيوني، وإلغاء الاتفاقيات الإبراهيمية التي شكّلت طعناً في الجسد العربي.
    د) صون الثروات العربية والإسلامية، وعدم تبذيرها في دعم المنظومات الغربية المعادية، وتوظيفها لصالح أجيال الحاضر والمستقبل في بناء تنموي شامل.

ه) أن تطلع النخب والجماهير بدورها التاريخي في هذه اللحظة المفصلية، وأن تتحمل مسؤولياتها في دعم خيار المقاومة وتحصين الجبهات الداخلية، خاصة أن المعركة اليوم تتسع لتشمل البنى السياسية والاقتصادية والاجتماعية القائمة، الأمر الذي يستدعي مراجعة شاملة لخيارات واستراتيجيات جميع مكونات الأمة، سواء في مواقع السلطة أو ضمن المؤسسات الشعبية والنخبوية، تعويضاً عن تقاعس الحكومات وقصور أدائها في كثير من الأحيان.

  1. التهديدات المتصاعدة وفرص المواجهة.. نحو نظام إقليمي جديد
    تُواجه الأمة العربية والإسلامية اليوم تهديدات متصاعدة، تهدف إلى تفتيت قدراتها وتهشيم إرادتها، غير أن تجارب جبهة المقاومة المتلاحقة أثبتت، في كل محطة، نجاعة الصمود والمواجهة، وقدرة الإرادة الحرة على كسر أعتى الآلات العسكرية، وإفشال المخططات التي تستهدف تغيير هوية المنطقة ومصيرها. وقد بات واضحاً أن الفرصة سانحة اليوم، أكثر من أي وقت مضى، لإطلاق نظام إقليمي جديد يقوم على التكامل والشراكة الاستراتيجية بين الدول العربية والإسلامية، مستنداً إلى ما يربطها من مشتركات تاريخية وجغرافية ودينية، وإلى وحدة المصير في مواجهة التحديات ذاتها. وهذا النظام الجديد يرتكز على أربع قواعد أساسية:
    أ) اعتماد المقاومة بجميع أشكالها خياراً استراتيجياً، لا مجرد تكتيك ظرفي.
    ب) حشد الطاقات المادية والبشرية، ورص الصفوف، وتجاوز الخلافات الثانوية.
    ج) تعزيز عناصر القوة في جميع المجالات: السياسية، الاقتصادية، العسكرية، والثقافية.
    د) إطلاق مشروع أمني إقليمي مشترك، يضم إلى الدول العربية الرئيسية كل من ايران وتركيا وصولاً إلى كل الدول الإسلامية المناهضة للهيمنة الأمريكية والصهيونية وهو وحده القادر على مقارعة التحدي الإسرائيلي والغربي، والتصدي لكل محاولات الاختراق والهيمنة. نظام يكرس دوره الدولي من موقع القدرة والاقتدار.
    وإذا ما تمكنت الأمة من تجسيد هذا المشروع، فإنها ستسهم في صناعة مستقبل عالمي قائم على التعددية وتماثل الأوزان الحضارية، وتضع حداً لحقبة الاستفراد الغربي التي سادت عقوداً منذ انهيار الاتحاد السوفيتي.

الرباط: 17/6/2026