غزة بين ثبات المقاومة ومراوغة الاحتلال في
مفاوضات القاهرة
نبيل الجمل
في ظل المنعطفات التاريخية الكبرى التي تمر بها القضية الفلسطينية، تبرز مفاوضات القاهرة الحالية كمرآة تعكس حجم التآمر الدولي والغطرسة الصهيونية التي لا تعرف حدوداً، حيث تجتمع الوفود تحت رعاية وسطاء من تركيا ومصر وقطر في محاولة لفكفكة عقد الصراع، بينما يواصل كيان الاحتلال ممارسة هوايته السادية في نقض العهود واختراق التفاهمات قبل أن يجف حبرها. إن المشهد السريالي الذي نعيشه اليوم يضع المقاومة الفلسطينية، وعلى رأسها حركة حماس، في مواجهة مباشرة ليس فقط مع آلة القتل الصهيونية، بل مع منظومة دولية تحاول تمرير أجندات تصفوية تحت ستار “السلام” و”المساعدات الإنسانية”، في حين تظل المقاومة الصخرة العتيدة التي تتكسر عليها كل أوهام التدجين السياسي.
إن ما يجري في أروقة القاهرة من مباحثات بين حركة حماس والممثل السامي لما يُعرف بمجلس السلام، نيكولاي ملادينوف، يكشف عن هوة سحيقة بين منطق المقاومة المتمسك بالحقوق الثابتة ومنطق الاحتلال القائم على الابتزاز والمراوغة. فالكيان الصهيوني، بدعم أمريكي سافر، يحاول القفز فوق بنود المرحلة الأولى من الاتفاقيات للوصول إلى “ملف السلاح”، وهو الهدف الإستراتيجي الذي يسعى من خلاله لتجريد الشعب الفلسطيني من وسيلة دفاعه الوحيدة، بينما تصر حركة حماس، بظهير فصائلي موحد، على أن استكمال بنود المرحلة الأولى وتثبيت الهدنة ووقف العدوان الشامل هو المدخل الإلزامي لأي حديث مستقبلي. هذا الإصرار الفلسطيني ليس مجرد تعنت تفاوضي، بل هو وعي عميق بأن الاحتلال يسعى لاستخدام المفاوضات كغطاء لاستكمال حرب الإبادة والتهجير والتوغل التي لم تتوقف لحظة واحدة.
ويتزامن هذا المخاض التفاوضي العسير مع “يوم الأسير الفلسطيني”، تلك القضية التي تمثل نبض الكرامة الوطنية وجرحاً نازفاً في قلب كل دار فلسطينية. وفي الوقت الذي نرى فيه شوارع المدن الغربية تضج بالهتافات والتضامن مع الأسرى القابعين في زنازين الاحتلال، يصدمنا الصمت المطبق والسكون المريب في الشوارع العربية، التي يبدو أنها غرفت في سبات عميق أو استقالت من دورها التاريخي تجاه قضيتها المركزية. إن الأسرى الفلسطينيين اليوم ليسوا مجرد أرقام في كشوف التبادل، بل هم طليعة المواجهة التي ضحت بحريتها من أجل حرية الأرض، ومن العار أن يظل التفاعل مع قضيتهم حبيس الجدران الغربية بينما تغيب الجماهير العربية عن نصرة إخوتهم في لحظة صدق تاريخية.
وعلى طاولة المفاوضات، يحاول الوسطاء تقريب وجهات النظر عبر مقترحات تصطدم دائماً بالتعنت الصهيوني الرافض للانسحاب الكامل والشامل من قطاع غزة، وهو المطلب الذي لا تقبل المقاومة المساومة عليه. فخليل الحية وفريقه المفاوض في القاهرة، وغازي حمد وزاهر جبارين في مشاوراتهم مع القيادة في إسطنبول، يتحركون وفق تفويض وطني يحرم التنازل عن شبر واحد من الأرض أو القبول بجداول زمنية فضفاضة تمنح الاحتلال فرصة المناورة. إن الضغوط التي يمارسها ملادينوف تحت ذريعة “ضيق الوقت” ليست إلا محاولة لابتزاز المقاومة وإجبارها على القبول بفتات “المساعدات الإنسانية” مقابل التنازل عن الثوابت السياسية، وهي معادلة أثبتت حماس والفصائل الفلسطينية فشلها، مؤكدين أن الجوع لن يكون يوماً سبيلاً لكسر الإرادة.
إن الحديث عن “المرحلة الانتقالية” وإعادة توحيد الأراضي تحت حكم السلطة الفلسطينية، وفق رؤية مجلس السلام، يحمل في طياته محاولة لفرض وصاية دولية أو إقليمية تخدم أمن الاحتلال قبل كل شيء. فالاعتراف الأممي المتردد بظروف غزة المروعة وغير الإنسانية، وتدمير آليات توزيع المساعدات، لا يعفي المنظومة الدولية من مسؤوليتها عن التواطؤ مع الحصار الصهيوني. إن الشعب الفلسطيني لا يبحث عن “مساكن مؤقتة” يعيش فيها بكرامة منقوصة، بل يبحث عن تحرير أرضه وعودة أبنائه، وهو ما تدركه المقاومة جيداً وهي تخوض معركة التفاضل بين “خطة ترامب” وبين المصلحة الوطنية العليا التي تقتضي دحر الاحتلال وتفكيك مستوطناته.
وفي الختام، يبقى الرهان الوحيد والمنتصر هو رهان البندقية والتمسك بالحقوق. إن حركة حماس، وهي تقود هذا المسار التفاوضي المعقد، تستمد قوتها من صمود الأسرى في سجونهم، ومن ثبات المرابطين في القدس، ومن تضحيات الأهل في غزة والضفة. ولن تنجح أي ضغوط، سواء كانت من الاحتلال أو من وسطاء يميلون لمجاملة واشنطن، في انتزاع تنازل يمس جوهر القضية. ستبقى المقاومة مستمرة في نشاطها، وسيبقى الموقف الفلسطيني الموحد هو الرد الحاسم على كل محاولات التصفية، ففلسطين بقدسها وغزتها وأسراها ليست للبيع أو المقايضة، والاحتلال مهما أوغل في وحشيته واختراقاته، فإنه يكتب بيده فصول نهايته الحتمية أمام شعب قرر ألا يموت إلا واقفاً.
